
عندما يتعلّق الأمر بـ”القوات اللبنانية”، تعجز الأقلام الحرة أحيانًا، التعبير عن الدهشة المغمّسة بالقرف، أو لنقل الغضب، عندما تقرأ مقالات يعرف أصحابها تمام المعرفة، أن ما يكتبونه ليس فقط يجافي الحقيقة الساطعة المقرونة بالإثباتات الدامغة، انما هو الباطل بعينه، ومع ذلك يكتبون ويكتبون! نحكي عما كُتب عن موقف “القوات اللبنانية” من مبادرة تكتل “الاعتدال الوطني” تجاه الاستحقاق الرئاسي.
عرف القاصي والداني، الحليف والخصم والعدو، موقف القوات الداعم الى أبعد الحدود لتلك المبادرة، وتصريحات رئيس حزب القوات سمير جعجع والدائرة الاعلامية في القوات، توضح تمامًا موقف القوات، وبما لا يقبل أي شك وجدل. يعرفون أكثر وأكثر، كيف دفن رئيس مجلس النواب نبيه بري المبادرة في مهدها، وكيف انتقدت القوات رفض بري لها، انطلاقًا من دعمها المطلق وموافقتها على المضي بالمبادرة، ومع ذلك يُعنون مواقع “سفير الشمال” الالكتروني، مقالًا تحت عنوان “هل بدأ جعجع يمهد لإسقاط مبادرة تكتل الاعتدال الوطني”؟!
أكثر من ذلك، يذهب الكاتب غسان ريفي بعيدًا جدًا وبذكاء لا متناه حين يتهم الحكيم بأنه “يحاول إثارة غبار كثيف حول المبادرة بهجوم على الرئيس بري واتهامه باستمرار التعطيل، وذلك بناء على تصريحات أدلى بها، وهي لم تختلف عن سابقاتها ولم تحمل جديدًا، بل أكدت المؤكد الذي سبق وأعلنه بري منذ بداية الجلسات الانتخابية. اللافت أيضًا أن جعجع تولى الردّ عن كتلة الوفاء للمقاومة وقوّلها ما لم تقله، ثم رد عليها بعنف محاولًا تحميلها مسؤولية الفراغ”! ومن بعدها يسأل صاحب المقال سؤالًا وجوديًا خطيرًا جدًا، فيه ما فيه من استشراق وتنبؤ وغوص عميق في عمق أعماق القوات ومواقف جعجع، حين طرح تساؤلًا: “هل بدأ جعجع يمهّد لإسقاط مبادرة تكتل الاعتدال الوطني؟ وهل من مخاوف تساوره من أن تتزامن المبادرة مع انفراجات تحدث عنها آموس هوكشتاين في جولته الأخيرة ما يجعلها قابلة للترجمة في مجلس النواب؟ أم أنه شعر بمخاطر التفاهم السني ـ الشيعي على ضرورة إتمام الاستحقاق؟ أم أنه حان وقت تنفيذ الأجندة التي تحدث عنها البعض وتقضي بإثارة التوترات الداخلية للضغط على المقاومة على وقع الاتصالات والمفاوضات الجارية”؟!…
يا سلام على المعرفة ببواطن النفوس، وعلى التحليل السياسي الموضوعي العميق. لو استشار كاتب المقال المنجمة ليلى عبد اللطيف، لكانت أكدت له المؤكد بأن مخايل الضاهر سيكون رئيسًا للجمهورية ورفيق الحريري رئيس الحكومة غصبًا عن إرادة معراب وكل العالم!
طيب، إنعاشًا لذاكرة كاتب المقال، مع اليقين المسبق أنه يعرف مضمون مواقف جعجع، “القوات اللبنانية” كانت من أكثر المشجعين لتلك المبادرة، ولكن الحقيقة أن موقف القوات الوطني الذي كان من الممكن أن يؤدي الى خطوة إيجابية باتجاه الاستحقاق الرئاسي، أزعل الممانعين، ونغّص عليهم حياتهم، فقرروا إطلاق النار وتشويه حقيقة موقف القوات وجعل المعرقل مؤيد والمؤيد الفعلي معرقل، فتبدو معراب هي المعرقلة وتكتل الاعتدال هو ضحية معراب والرئيس بري رئيس الملائكة كما العادة!
للتذكير اذن، فإن الحكيم وعلى أثر لقائه وفد تكتل الاعتدال الوطني، أعلن فيما أعلنه وحرفيًا:
“الكتلة عرضت علينا مبادرة جدية للوصول إلى انتخاب رئيس ووافقت عليها. المبادرة هي لقاء نواب من كل الكتل في المجلس للمطالبة بجلسة انتخاب مفتوحة بدورات متتالية، ونتشاور على الهامش بالمَوضوع الرئاسِيّ. مبادرة تكتل “الاعتدال الوطني” واضحة ونحن قبلنا بها، وبحسب ما تبلّغنا فالرئيس نبيه بري متجاوب معها أيضًا. إذا صفت النيات سيتم انتخاب رئيس ونيتنا صافية من اللحظة الأولى ولكن الأكيد أن محور الممانعة متمسك بفرنجية”.
وفي وقت لاحق، وردًا على مواقف بري والنائب محمد رعد قال الدكتور جعجع: “محور الممانعة يعطِّل الاستحقاق على خلفية أنه لم يتمكّن منذ أكثر من سنة وأربعة أشهر من تأمين الأصوات اللازمة لإنجاح مرشحه الرئاسي، وهو من هذا المنطلق يستمر في عرقلة الانتخابات، مراهنًا على تعب الجميع وتسليمهم بانتخاب فرنجية رئيسًا للجمهورية، وهذا ما لن يحصل هذه المرة. وقد أدّت مبادرة “الاعتدال الوطني” إلى حشر الممانعة، لدرجة أن مصادرها اضطرت لتكرار مقولتها المعروفة في أكثر من وسيلة إعلامية اليوم بأنها تصرّ على “انتخاب رئيس يحمي ظهر المقاومة”.
وعلى طريقة من فمك أدينك، دانت الممانعة نفسها للمرة الألف بأنها المسؤولة عن الشغور الرئاسي عبر رفضها الآلية الدستورية التي تنص على جلسة مفتوحة بدورات متتالية، وإبقاء البلد مشرّعًا أمام الشغور والفوضى الدستورية والانهيار المالي وعدم الاستقرار السياسي”.
فاذا كان كاتب المقال يجيد القراءة الفعلية وليس مجرد تلاوة حروف، عليه اذن أن يعتذر وأن يعلن ضميريًا من عطّل فعليًا مبادة تكتل الاعتدال الوطني ومن سعى اليها بكل قلب وربّ؟!
أكثر بعد، وإمعانا في نكز ذاكرة صاحب المقال، نذكره بموقف الدائرة الاعلامية في “القوات اللبنانية” تجاه المبادرة التي اعتبرت أن “سرعة تجاوب القوات اللبنانية مع المبادرة، تأتي لكونها في مقدمة من يدافع عن الاستحقاقات الدستورية وإنجازها في وقتها المحدد. فالقوات خاضت الكثير من المعارك السياسية لإتمام الاستحقاق الرئاسي في موعده، لكن فريق 8 آذار وعلى رأسه الحزب، كان في مقدمة المعطلين، ولا يزال يمسك بالاستحقاق الرئاسي داخل قفص الشغور، ويراوغ من أجل عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية تحت حجج واهية باتت معروفة ومكشوفة أمام الداخل والخارج. وفي هذا السياق، تشدد “القوات اللبنانية” على أن تلقّفها لمبادرة تكتل الاعتدال الوطني، تكمن في أن المعارضة حريصة على انتخاب رئيس جديد للجمهورية ضمن الآليات الدستورية، وعبر جلسات مفتوحة بدورات متتالية، أو التوافق على خيار ثالث”، هذا بعض مما جاء في الموقف الرسمي للقوات اللبنانية، فهل من الممكن أن تعيد تلك الاقلام التي تكتب عكس الضمير المهني والوطني، القراءة جيدًا لتصويب مسارها الانساني الشخصي قبل المهني؟!
في كل الاحوال وللتذكير، لا يحتاج سمير جعجع لفشل الآخرين كي يبرز نجاحه أو تفوقه وما شابه، يحتاج الحكيم فقط لوطنية الآخرين الصادقة ليتماهى معهم وإنقاذ لبنان من براثن الممانعة تلك.
