

.jpg)
“مهما قست الأيام، ومهما عَظُم المصاب، فإننا لن نيأس… نحن في هذه البلاد لسنا بطارئين… نحن من أنشأنا لبنان ولن نكون غرباء فيه”… الكلام للبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير. وكلامه ليس إلا تعبيرًا صارخًا صادقًا تاريخيًا وجوديًا وجدانيًا يكشف فيه الروابط وأسبابه بين الموارنة كشعب ومجتمع وطائفة وبين لبنان ككيان ووطن وأرض.
لقد عبّر الموارنة بشخصياتهم وممارساتهم عن هذه الروابط بمراحل عديدة من مرارة عيش وضيق وتضييق وإحباط الى ازدهار وتقدم ورفاه وبعث وانعتاق… وقد جعلت من لبنان وطنًا متمايّزًا فريدًا بذاته عن محيطه القريب والبعيد، كما جعلت منه منارة حريّة على الرغم من المحاولات العديدة السابقة التي قام بها البعض وما زالوا لإطفاء تلك المنارة أو لتقويض وإلغاء تلك الحرية، ومعها إلغاء تميّز الكيان وفرادة الوطن، وتضييق الأرض، وإحباط الإنسان فيه عبر تشويه صورة الموارنة وتطويعهم لمشاريع من خارج الحدود، وتطويقهم من قبل أصحابها.
كثيرة هي التعبيرات والتجليّات لدور الموارنة ومسؤوليتهم في أداء هذا الدور، وأكثرها محاكاة لتاريخهم وماضيهم وحاضرهم ورجائهم بالمستقبل ما قاله الفيلسوف المفكر السياسي والمؤرخ شارل مالك، إذ يقول في هذا المجال: ”في كثير من مفارق التاريخ، اضطُهِد الموارنة، هُمِّشوا، فتموضعوا وخبا وهجهم، ولكنهم كانوا في كل مرة على موعد مع الأمل والحرية والقداسة. لقد أُعطي الموارنة كثيراً، وما يُنتظر منهم كثيرًا أيضًا”. ويقول في نفس الإطار في موقع آخر: “إذا كبا لبنان وعثر، فالعار عليكم أكثر من غيركم، وإذا نهض وازدهر، فالمجد لكم قبل غيركم. إن مصير لبنان يقع بالدرجة الأولى على عاتق الموارنة”.
يلتقي هذا القول مع ما أعلنه الرئيس الشهيد بشير الجميل في يوم الوعد بتاريخ 22 تشرين الثاني 1980: “نحن الثابتون في لبنان والشرق، غيرنا يأتي حينًا ويذهب حينًا آخر. صحيح أن امتداد وجودنا ليس مستقرًا جغرافيًا، لكن وجودنا في حد ذاته دائم الاستقرار. نحن قديسو هذا الشرق وشياطينه، نحن صليبه وحربته، نحن نوره وناره، قادرون على إحراقه إن أحرقوا أصابعنا، وقادرون على إنارته إن تركونا على حريتنا. فحذار من أي حل لقضية لبنان وأزمة المنطقة لا يأخذ في الاعتبار ثوابت تاريخ المنطقة وإفرازات حرب لبنان”.
لا ذكر للموارنة أو فرادة لبنان الكيان والوطن من دون الميزة الأساس، ألا وهي الحريّة، وقد عبّر عنها البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير في 30 تشرين الثاني 1992 بقوله: “إذا خُيِّرنا بين العيش المشترك والحريّة نختار الحريّة”. كما عبّر بوضوح على محاولة تقويض تلك الحريّة عقب تفجير كنيسة سيدة النجاة الزوق في 28 شباط 1994 بقوله: “نحن الذين لجأنا الى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام طوال مئات السنين ليسلم لنا الإيمان بالله وعبادته على طريقتنا في هذه الجبال وعلى هذه الشواطئ ولتبقى لنا الحرية التي إذا عُدمناها عُدمنا الحياة”.
وفي موضوع الحريّة نكمل مع شارل مالك، إذ قال: “بإمكان الموارنة أن يتساهلوا في كل شيء أو يتفاوضوا حول أي شيء، ما عدا هذه الحرية الشخصية الكيانيّة. فمن دونها لا وجود لهم ولا معنى لوجود لبنان، حتى إن وُجد، وجوده عندئذ كعدم وجوده تماماً. وعندما يتساوى الوجود وعدمه، ينعدم. لكن بوجود هذه الحريّة، قائمة ومضمونة ثابتة، فباستطاعتهم مع الزمن أن يستعيدوا كل شيء سواء عن طريق التساهل أو التنازل عنه. ومن دونها فسيخسرون ما يملكون أو يظنون أنهم ملكهم”.
المحاولات لـ”تسويد” إسم الموارنة كثيرة، بدءًا من اتهامهم بالانعزال، الى محاولات عزلهم، وصولاً الى تشويه صورتهم عبر ما سمّوه مرحلة “المارونية السياسية” والتي يترّحم عليها الكثيرون في يومنا هذا لما تمتّع به لبنان من بحبوحة وازدهار واستقرار في ذاك العهد… وها هم الموارنة اليوم يتعرّضون لما تعرّضوا له بالأمس من افتراءات واتهامات تطال حتى رأس كنيستهم لضرب الراعي وتشتيت الرعية. وهنا أيضًا يستوقفنا كلام شارل مالك كردّ مع مفعول متقدم ورجعي على المفترين المتهِمين “المتفلسفين”، إذ يقول: “ما أسهل التفلسف على الموارنة! مَنْ لا يتفلسف عليهم اليوم؟ مَنْ مِنْ أعداء لبنان وحرياته وقيمه لا يعاديهم ولا يحاول تسويدَ إسمهم وتفكيكهم بعضهم من بعض؟ إن هذا لفخرٌ لهم”. وعن صرح بكركي يقول: “أهمية بكركي الهائلة أن لبنان القوي لا يستطيع أن يخلّصها إذا كانت هي ضعيفة. أما بكركي القوية الراسخة النابضة معنويًا واجتماعيًا، فتستطيع بمفردها أن تخلّص لبنان مهما خار وضعف”.
وفي مخالفة صريحة فاضحة لما هو مطلوب من الموارنة خصوصًا ومن المسيحيين عمومًا من مسؤولية وحريّة، صادفنا في تاريخ الموارنة عثرات كثيرة وشهود زور لم يشهدوا للحقيقة ولا مارسوا الحريّة كفعل مقاومة وصمود وتميّز حضاري تاريخي وجودي. فالموارنة الذين خرج منهم رجالات كبار من أمثال يوحنا مارون وكميل شمعون وبيار الجميل وإدوار حنين وبشير الجميل وسمير جعجع، خرج منهم على سبيل المثال الرئيس السابق ميشال عون ليقول في 10 تشرين الثاني 2014 “إننا و”حزب الله” أصبحنا اليوم في مرحلة “تكامل الوجود”. وللأسف ما زال تيار عون يمارس هذا التكامل الذي قال به مؤسسه. ولنفهم حقيقة هذا التكامل والى ما يؤدي بالموارنة بشكل خاص وبالمسيحيين وباللبنانيين بشكل عام، لا بد أن نعود الى ما يختزن “المُتكامَل” معه وجودياً من أفكار وخطط ومشاريع لخّصها الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في الصوت والصورة بقوله: “إن المشروع التوحيدي الأول والوحيد في هذا الكون هو مشروع الدولة الإسلامية. فمشروع الدولة الإسلامية توحيدي أكثر مما يتصوّر هؤلاء الناس، وليس مشروعاً تقسيمياً. ولو كنا نتحدث عن “كانتون” شيعي في الضاحية الجنوبية لكان مشروعاً تقسيميًا. أما نحن فنتحدث عن دولة إسلامية. ونحن حتى لو أقام بعض الناس كانتونات فإننا لن نسامح من سيقيم كانتوناً مسيحياً في المنطقة الشرقية، وفي جبيل وكسروان، لأن هذه مناطق المسلمين وقد جاءها المسيحيون غزاة. جاءت بهم الإمبراطورية البيزنطية ليكونوا شوكة في خاصرة الأمة”.
خير ردّ ورد في وصية شارل مالك للموارنة: “المطلوب من الموارنة ألا يقبلوا بشيء يؤول إلى تقليص حرية لبنان، بل العمل على تمتينها وتعميقها وجعلها أكثر أصالة ومسؤولية… لسنا ممن يُطلب منهم، وهم مقدّرو الحرية الأُوَل وعاشقوها، ألا يعملوا شيئًا، أو يقبلوا بشيء، يؤول الى تقليص حرية لبنان بل أن يعملوا كل شيء لتمتين هذه الحرية وتعميقها وجعلها أكثر أصالة ومسؤولية”.
وأمام تخلّي البعض من الموارنة والمسيحيين عن مسؤوليته نعود الى حديث للدكتور سمير جعجع نشرته جريدة العمل في 3 كانون الأول 1983 بعد سقوط الجبل في أيلول 1983: “إننا نحن المسؤولون وإذا لم نكن فهذا يعني أننا لا نتحمّل مسؤولية هذا الشعب… وبالتالي نحن قيادة هذا الشعب في عملنا في “القوات اللبنانية”، بمعنى أننا لا نقوم بأحداث بسيطة من أجل أهداف محدودة. وحين نقوم بصنع التاريخ، فهذا التاريخ يُقاس بالسنين وحتى بالقرون…”
“المسيرة” ـ العدد 1750
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
.jpg)