
في ظل تزايد الأزمات السياسية والأمنية والمالية في لبنان، وتحول النموذج الاقتصادي عن الاعتماد الرئيسي على القطاع المصرفي، يشهد لبنان تراجعاً في الثقة بالقطاع المصرفي نتيجة “تبخر” الودائع، مما أدى إلى توسع اقتصاد الكاش وتدفق الأموال “غير الشرعية” إلى جهات مشبوهة. هذا الوضع يزيد من مخاطر غسل الأموال، خصوصاً مع تركيز الجهات الدولية على هذا التحول وتوسع اقتصاد الكاش. مؤخراً، قام وفد الخزانة الأميركية بزيارة لبنان لمناقشة هذه المسائل، بما في ذلك تحويلات “حركة ح.” وأموال “الحزب”.
التعميم 165، الذي يتيح فتح حسابات مصرفية جديدة بـ”الفريش دولار” بعد عام 2019، كان محور النقاش أيضاً، مع تحذيرات من أنه قد يكون وسيلة لغسل الأموال. الزيارة شددت على ضرورة تطبيق الإجراءات لمنع تحويلات الأموال المشبوهة وتشجيع على إعادة هيكلة القطاع المصرفي لمواجهة الاقتصاد النقدي.
نقابة الصرّافين في لبنان تجري تدريبات لمكافحة تبييض الأموال، وستطلق تطبيقاً لتجنب التعامل مع أفراد أو كيانات مشبوهة. في غضون ذلك، يحذر خبراء اقتصاديون ومصرفيون من أن الاقتصاد النقدي يشكل بيئة حاضنة لغسل الأموال ويدعون إلى تطبيق القوانين المناسبة لمكافحتها.
وبحسب مصدر مطّلع تحدّث لـ”العربية.نت” فإن المسؤول الأميركي وفي معرض شرحه لمخاطر “اقتصاد الكاش” تطرّق إلى التعميم 165 الذي يسمح بفتح حسابات مصرفية جديدة بالفريش دولار (بدأ العمل به بعد العام 2019)”، حيث نبّه من أن هذا التعميم قد يكون معبرا أساسيا “لغسل الأموال”.
كما حرص المسؤول الأميركي بحسب المصدر على تمرير هذه الرسالة لمن التقاهم، بالإضافة إلى رسالة أخرى مفادها أن عرقلة قانون إعادة هيكلة المصارف تعني عدم وجود بنوك في لبنان، ما يعني تشجيع الاقتصاد النقدي cash economy “.
إلى ذلك، لفت المصدر إلى “أن المسؤول الأميركي حذّر بناءً على معلومات لدى وزارة الخزانة الأميركية من استغلال حركة ح. لاقتصاد الكاش لتحويل الأموال، كما أبدى حرص بلاده على تطبيق القوانين المرتبطة بمكافحة الجرائم المالية في لبنان”.
ومع أن زيارة بيكر ليست الأولى ولا تخرج عن سياق زيارات سابقة كان عنوانها التحذير من مخاطر تنامي اقتصاد الكاش، يبدو أن مصرف لبنان كان على علم بها والغاية منها، فاستبقها بورشة عمل لنقابة الصرّافين محورها الأساسي التدريب على قوانين مكافحة تبييض الأموال، باعتبار أن هذه المؤسسات المالية باتت اليوم المصدر الأوّل لحركة تحويل الأموال.
وفي السياق، أوضح نقيب الصرّافين مجد المصري لـ”العربية.نت” “أن اللقاء التدريبي عُقد في مصرف لبنان قبل ظهر يوم الخميس الماضي (في اليوم نفسه الذي زار بيكر لبنان) وهو أتى نتيجة التقرير الذي اعدّته جهات رقابية خارجية منذ مدة حول تصنيف الاقتصاد اللبناني”.
تطبيق إلكتروني للأموال المشبوهة
كما كشف المصري “أن النقابة ستُطلق قريباً تطبيقاً للصرّافين يتضمّن لوائح بأسماء أفراد وكيانات تدور حولها علامات استفهام لتجنّب التعامل معها، وفي حال تبيّن أنه تم تحويل أموال لأحد هؤلاء الأفراد أو الكيانات نلجأ إلى تجميد الأموال ثم إبلاغ هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان لاتّخاذ الإجراءات المطلوبة”.
ولفت إلى “أن هذا التطبيق سيُساهم في تقليص تدفّق أموال “مشبوهة” وغير نظيفة إلى جهات مُصنّفة إرهابية، ويحمي مؤسسات مالية كثيرة من العقوبات”.
بيئة حاضنة لغسل الأموال
من جهته، اعتبر مصدر مصرفي رفيع المستوى في تصريحات لـ”العربية.نت” “أن الاقتصاد النقدي هو البيئة الحاضنة لعمليات غسل الأموال، ولا يُمكن العودة إلى السكّة الصحيحة واستعادة الثقة إلا باسترجاع القطاع المصرفي من خلال إقرار قانون إعادة هيكلة المصارف، تطبيق قانون الكابيتول كونترول”.
ونبّه من “أن الاستمرار باعتماد ااقتصاد الكاش وعدم اتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لمكافحته يُعرّض لبنان لمزيد من المخاطر”.
وفي الإطار، رأى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور نسيب غبريل لـ”العربية.نت” “أن التعميم 165 يحاول التخفيف من الاعتماد على اقتصاد الكاش من خلال السماح باستخدام الشيكات والبطاقات المصرفية للحسابات “الفريش” بالدولار، ويبدو أن وفد الخزانة الأميركية كان حريصاً على الاستفسار عن ماهية هذا التعميم وآلية عمله وألا يتحوّل مدخّلاً لتمويل جهات مشبوهة”.
هواجس أميركية
كما أشار إلى “أن هواجس الأميركيين زادت تجاه لبنان مع تحوّل اقتصاده إلى نقدي”. وقال “مجموعة العمل المالية لمكافحة تمويل الإرهاب وتبييض الأموال أصدرت منذ ثلاثة أشهر تقريرها عن لبنان أشارت فيه إلى أنه التزم بـ34 توصية من أصل 40، وهذه نتيجة جيدة تُجنّبنا وضع بلدنا على لائحة المراقبة”.
ومنذ العام 2019، دخل لبنان في أزمة اقتصادية غير مسبوقة بتاريخه الحديث بعدما تخلَّفت المصارف عن إعطاء الودائع للمودعين.
فيما أعلنت الدولة عجزها عن سداد ديونها من دون أن تسير في خطة إصلاحية لاستعادة الثقة المحلية والدولية، ما سمح بتنامي اقتصاد الكاش ومعه الاقتصاد غير الشرعي نتيجة غياب الرقابة على حركة سير الأموال.