.jpg)
وكأنها الشحمة على الفطيرة ما حصل في إحدى مدارس غبالة، حين دعت إحدى الراهبات الطلاب الأطفال، الى الصلاة لرجال “الحزب” والا “نكون خونة”، ففُصلت الراهبة عن التعليم بسبب ممارستها السطوة على هؤلاء الطلاب من جهة، وتعميم فكرة تخوين الشعب اللبناني برمته ما لم يكن داعمًا “للحزب” ذاك من جهة ثانية. وفي ذات الوقت تم تعليق لمدة شهر، عمل مدرِسة ومنسِقة في إحدى مدارس جونيه بسبب توزيع منشورات مسيئة لنفسية الأطفال. الخبر ليس هنا تحديدًا، أي في ما حصل في المدرستين المذكورتين، الخبر في الهجمة الالكترونية السعيدة المبرمجة على بكركي وسيدها من جهة، وعلى “القوات اللبنانية” من جهة ثانية انطلاقًا مما حصل في المدرستين!
اتهم جمهور الممانعين، “عناصر” منصة اكس وفايسبوك، بكركي بأنها عميلة للعدو الإسرائيلي وداعمة له، بسبب التدابير التي اتخذت بحق الراهبة والمدرِستين، اذ اعتبروها ارتدادًا واضحًا لمواقف البطريرك الراعي، الرافضة لما يجري في الجنوب من حرب على الأهالي، والداعية دائمًا لتحييد لبنان عن صراع المنطقة، وحماية أهل الجنوب وكل لبنان عبر الجيش اللبناني وحده وتنفيذ القرارات الدولية. أما “القوات اللبنانية” وبعد وصفها “بالتكفيريين”، اتهمت بانها المحرِضة على موقف الراهبة “الوطني” والداعم “لرجال الحزب”، وأنها ضد فلسطين وضد دعم غزة! فكانت سكبة الزيت على زيتون الحقد وتشويه الحقائق، والأهم التعمية عن الحقيقة الأكيدة المرّة بالنسبة لهؤلاء الأشاوس المفترضين، بأن غالبية الشعب اللبناني يرفض الحرب ولا يؤيد “الحزب” فيما يفعله، ويساند الجنوب وأهله خصوصًا بعد الدمار الهائل الذي اجتاحه بسبب عبثية ما يجري هناك، تحت ذريعة “دعم غزة”، علمًا ان لا علاقة للقوات كحزب، لا من قريب ولا من بعيد بما يدور لا بقرارات المدارس الكاثوليكية، ولا فيما يجري من حروب على صفحات التواصل الاجتماعي، انما الردود من كل الفئات الرافضة لتلك البيئة، وأيضًا من قواتيين منفردين ومنتسبين ومناصرين وما شابه!!
ما يجري مخيف، لأنه يأخذ الواقع اللبناني الى مكان آخر تمامًا، تفرضه بيئة “الحزب” ومناصروها، ولكنه واقع لا مفر منه، بأن الانقسام العامودي الحاد في الشعب اللبناني، يشكّل حالة خطيرة من التباين والانفصال الفكري الاجتماعي السياسي الانساني الخطير، بسبب ما تبثه البيئة الممانعة من تهويل وتخوين وتحوير للحقائق، أساسها ومسببها الرئيس، رفض غالبية اللبنانيين لما تفعله تلك البيئة وما ترتكبه من جرائم واغتيالات وحروب ودمار شامل بحق لبنان الدولة والشعب والجيش، لدرجة أن أحد اللبنانيين كتب على صفحته “الحزب مصدِق انو لبنان صار قنداهار، وهو طالبان والقائد بن لادن المفدّى”، فهل أصبح لبنان محكومًا بطالبان جديدة تصادر الفكر الحر، وتخوِن كل من لا يوافقها الرأي؟ علمًا أن ما يحصل ليس رأي ورأي آخر، بل قمع وفرض أمر واقع دموي، وعند الاعتراض أو الدفاع عن النفس، يدخل اللبنانيون خانة العمالة وتحلل أرواحهم، والأوضح من كل ذلك بعد هو الهجمة الشرسة على المدارس الكاثوليكية، علمًا أن من تلك المدارس يتخرج وتخرج آلاف الطلاب من البيئة الممانعة ما غيرها، فماذا تريدون بعد، إقفال آخر صروح العلم المتفوق في لبنان؟!
ربما صار لزامًا علينا أن نسأل الإعلام أولًا، والأحزاب السيادية كافة، والشعب اللبناني المتجابه عبر وسائل التواصل، أي ثقافة فعلية نريد؟ هل يجب أن نستقبل بعد عبر الإعلام أشخاصًا يمثلون تلك البيئة وأن نمنحها مساحات واسعة عبر الهواء لتبخّ سمومها القاتلة بحق الحقيقة ولبنان؟! هل مسموح لبعض من يدعي أنه يمثل القيم المسيحية تحديدًا، أن يعتنق فكر تلك البيئة وأن يخون أطفالًا أو كبارًا، ما لم يكونوا غنمًا مطيعين للفكر الظلامي الذي تتبعه تلك البيئة؟
ما يحدث في لبنان أخطر بكثير من الحرب العسكرية على الجنوب، هي مواجهة فكر وحرية واعتناق وعبودية، هي مواجهة قيم انسانية ودينية ووطنية، إذ ما عاد من مكان للرمادي، إما أن نكون مع لبنان سيادي حر بكل ما تحمله تلك الكلمة من أبعاد، وأن نواجه بالفكر والإيمان والسياسة والكلمة والإعلام لأجل تلك القيم، وهذا ما تحاول بكركي تعميمه، وأيضًا ما تحاول “القوات اللبنانية” وكل السياديين المتبقّين في هذه الدولة البائسة، أن يفعلوه لإنقاذ لبنان من تلك البيئة المتخلفة ومن ثقافة الموت التي تعتنقها، وإما أن ننسى لبنان الكيان، لبنان الثقافة الحرية الانسان، لبنان الرسالة.
العيش المشترك لا يعني الانسحاق الى درجة الذمية، بعض اللبنانيين المسيحيين تحديدًا اختلط عليهم هذا الامر، فما بين المواطنة الفعلية والعيش المشترك، وذاك الانسحاق، خيط ما عاد رفيعًا، بل صار فاقعًا وقحًا قاتلًا، وهنا ربما أيضًا صار يحق لنا كلبنانيين أحرار سياديين، أن نتهم هؤلاء بنفس تهمهم “الخيانة والعمالة” لبيئة لا تعترف أصلًا بالكيان اللبناني، وتجاهد لأجل إيران وليس لأجل لبنان، فمن منا هنا اللبناني النظيف؟! صار يجب أن نسأل…
