#dfp #adsense

الموارنة عشّاق الحرية وجنودها

حجم الخط

الموارنة

من عنوان موضوع اللقاء: “الموارنة اليوم، أي دور في أي وطن”، أختار عبارة “أي وطن”، ليدور حولها حديثي.

بالنسبة إليّ، “الوطن” يعني لبنان. لبنان فقط. لبنان القائم في جغرافيتيه الطبيعية والبشرية. لكن “لبنان”، في جوهره، وقبل أن يصير على ما هو عليه من الحيّز الجغرافي، كان دومًا، في وجدان الموارنة، “مساحة روحية”، بصرف النظر عن ضيقها أو اتساعها.

لاسم “لبنان” رنّة طمأنينة تخرق أحاسيس الماروني حتى الأعماق. ذلك أن لبنان، في طبيعة جباله وما مرّ فيها من ظروف وأحداث بسبب الحضور الماروني، صقل الموارنة وحوّلهم جماعة انتشرت، تدريجيًا، في سائر النواحي والمناطق.

في ذلك الزمان والمكان المعنيَّين، نجح الموارنة في إقامة بقعة للمسيحية الحرّة، في محيط كانت هذه الأخيرة في خطر الأفول. فكانت النواة التي راحت تكبر بمقدار ما تشعر المسيحية المشرقية باللاإطمئنان، في شتى تعبيراته.

من يراجع الليتورجية (201) المارونية ينذهل من القدر الذي يتردد فيه إسم لبنان، إلى حدّ قد يتوسلُه ذو نيّة غير شفافة ليتهم الموارنة بالصنميّة.

فالأرزة، رمز لبنان – الجبل منذ مطلع التاريخ، صارت رمز لبنان – الحرية مذ أن علت التاج البطريركي في مستهل القرن السابع عشر.

وعبارة أشعيا النبي الموجّهة إلى أورشليم “مجد لبنان أُعطي لها”، نقلها الموارنة إلى السيّد البطريرك، للمنزلة التي له في نفوسهم، ولإخلاصهم لشخصه. فصارت “مجد لبنان أُعطي له”. وكأنهم، بذلك، يقولون، أيضًا، “مجد الحرية أُعطي له”.

والكتاب الذي نظّم كنيسة الموارنة في العام 1736، اقتصر عنوانه على كلمتي “المجمع اللبناني”، وكأن فيهما تماهيًا بين المحتوى والحضور الوجودي الماروني. وكذلك القول عن الصلوات والطِلبات الكثيرة التي يتكرّر فيها ذكر لبنان.

وأكبر رهبانية عند الموارنة هي “الرهبانية اللبنانية”. إن لفظة “اللبنانية” ثرية الدلائل. فهي تلقي الضوء على الدور الكبير الذي لهذه الرهبانية، سواء في امتداد الموارنة خارج بقعة التكوّن منذ لجوء رهبان إلى مقتدين بسلوك مارون الناسك، أم في المشاركة الفعّالة والدائمة في الدفاع عن لبنان. وأقرب عهد لهم به كان بُعَيْد اشتعال فتیل 13 نیسان 1975. ولا نستغرب ذلك. فمنذ ما قبل الصليبيين، كان الموارنة يلجأون حتى إلى المقاومة العسكرية، في الحالات التي تستوجبها، دفاعًا عن وجودهم الحرّ. فكان كبار الملّاكين يتقدمون فلّاحيهم في المعارك. فإذا هؤلاء عساكر، وأولئك قادة، أُطلق عليهم، في ما بعد وخلال التاريخ، إسم “مقدّمين” و”مشايخ” و”أمراء”. وإلى تلك الروحية والتراث يعود المقاتلون المسيحيون في العام 1958، ومقاتلو “القوات اللبنانية” في الربع الأخير من القرن الماضي، علمًا بأن في الظرفين المذكورين تغيّر الشكل، وتنوّعت هوية المقاتلين الذين صاروا “مسيحيين” لا موارنة فقط.

الحرية في لبنان، لبننت أبناءه المسيحيين، فباتوا جسمًا مسيحيًا لبنانيًا واحدًا. والحرية، إياها، تلبنن أبناء لبنان المسلمين، ليصبح الجميع، عند ذاك، أبناء الحرية “أولاً”. وهكذا، تكون الحرية جوهر الوجود اللبناني ومبرّر استمراره.

وربما انعجن الموارنة بالحرية إلى مدًى صعُب فيه جمعُهم، في بعض الأحيان، إلا دفاعًا عن حريتهم وحقوقهم الوجودية. وهذا ما لمسته حسيًا، وعشته في العام 1958، والعام 1975 وما بعده، حتى وصول بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية. أما في أحوال الارتخاء، وفي الأوضاع الاستثنائية، فقد انحرف بعض منهم، وجرفوا معهم بعضًا من المسيحيين، وراء أحقاد زعمائهم وأنانياتهم، والتي بلغت، أحيانًا، حدودًا تمسّ الأمانة الوطنية، وتؤذي المصلحة العامة، وتشكّل ضررًا على المجتمع المسيحي. وفي ظروف كهذه، شكّل بطاركة الموارنة، وخصوصا في الزمن المعاصر، ومنذ أيام البطريرك الياس الحويك، بديلاً قياديًا يعبّر عن وجدان المسيحيين ومصالحهم الوجودية.

وللحرية نقيض يتربّص بها وبنا نحن المسيحيين، إنه “الذمّيّة” (202).

الحرية والذمّيّة لا يلتقيان، ولن يلتقيا. “الذمّيّة” أشرس عدو للحرية، وأقسى من أي تسلّط واستبداد. هي سجن للروح والفكر والجسد معًا.

الكلام على “الذمّيّة” يطول. وأهل مَن عانى منها في الداخل المشرقي أعلم مني بها. وجلّ ما أُضيفه أن مجابهة “الذمّيّة” كانت، بالأمس، في لبنان، أحد عناوين أهداف الموارنة، وغدت، اليوم، عنوان عناوين أهداف المسيحيين جميعهم. فمن يراجع الكتابات المارونية المؤسِّسة، يدرك مدى عناية الموارنة بهذه القضية وعمقها، وسهرِهم على اجتثاثها من نفوس من يكونون قد ابتلوا بها.

وإليكم نموذجَين معاصرَين مارونيَين لموقفَين وضعا الحرية في الاعتبار الوجودي الأول. في 28 أيار 1980، كنت مشاركاً، في جامعة الروح القدس، الكسليك، في اجتماع بين “لجنة البحوث اللبنانية” ـ وأنا عضو فيها ـ ووفد اتحاد الأحزاب الديمقراطية المسيحية الأوروبية، الذي جاء لبنان بدعوة من الإتحاد المسيحي اللبناني. في خلال اللقاء، قال المرحوم الأباتي بطرس قزي، وهو المعروف بالصبر والهدوء والحوار والبعد، كلّ البعد، عن أي تحد: “إن ما نريده هو العيش أحرارًا وكرامًا، ولنا الحق في البقاء، والحق في الحفاظ على هويتنا. وإذا كان ذلك غير مضمون، وإذا كان التقسيم حلاً، فنحن مع التقسيم (203)”.

والنموذج الثاني أتذكره في موقف السيّد البطريرك صفير، هذا الحكيم الكبير بين الحكماء الكبار، والذي قال في العام 1993، بجرأة ما بعدها جرأة: “لو خُيِّرنا بين العيش المشترك والحرية فالخيار اتخذناه منذ زمن بعيد. نحن نريد السلام، ونريد الحرية، ونريد العيش المشترك، أما إذا كان العيش المشترك سيسيء إلى الحرية، أو سيمنع الحرية، فإذا الخيار معروف (204)”.

في 22 شباط 1979، دوّنت في أوراقي ما يأتي: “منذ انفجار الأحداث، ونحن نتشاور لإيجاد الصيغة الدستورية ونظام الحكم الأكثر عدالة وتوافقاً والحقيقة المجتمعية اللبنانية، لا يكون فيها المسيحيون “أهل ذمّة” ولو بمقدار ذرّة. على كلٍّ، لن نقبل أن نصير “أهل ذمّة”، أيًا كان عددنا. وسنعتمد، إذا اضطُررنا، أي وسيلة – أيًا كان اسمها، وأيًا كانت نظرة الآخرين إليها ـ متآلفة وسُلَّم قيمنا، كي نصون “مصالحنا الوجودية”، وفي مقدّمها الحرية. الحرية، في كلّ أبعادها ومقتضياتها، هي فوق كلّ إعتبار”.

واسمحوا لي أن أُنهي حديثي بهذه الكلمات النابعة من وجدان مقاوم – رمز هو الأباتي بولس نعمان، والتي أتبنّاها من غير أي تحفظ. يقول الأباتي: “الثابتة الأساسية في كل مجموعة القيم التي أؤمن بها، هي حرية لبنان، كمساحة جغرافية يتمتع فيها كل إنسان، بغض النظر عن جنسه أو دينه أو طائفته، بكرامته وحقوقه كاملة”.

في هذا القول كلام فصل الصورة واضحة برّاقة للوطن الذي يريده الموارنة الفخورون بتراثهم الإنطاكي السرياني الماروني. فلنتكوكب جميعنا حول هذا الوطن، وبإخلاصنا له، نخلُص به. ولتحيَ الحرية

9-2-2010 عشية عيد مار مارون ـ من كتاب في أجل العدالة في الوطن

-201- أي طريقة إقامة الشعائر والعبادات عند المسيحين.

-202- “الذمّيّة” مصطلح فقهي إسلامي ينظم حياة المسيحيين واليهود ومَن يعتبرهم الإسلام من أهل الكتاب، من الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي أو في البلاد ذات الأغلبية المسلمة، في مستوى قانوني أدنى من مستوى المسلمون. فهم “ذمّيّون”، أي مواطنون من درجة دنيا ومضطهدون. وما يجري في مصر مصر أهم دليل. ومّن يريد إيضاحات أشمل أنصحه بقراءة كتابي “لن نعيش ذمّيّين، الذي نشرته في العام 1979.

-203- أنطوان خويري، حوادث لبنان 1980، الجزء التاسع، لبنان بين الشرعية والإحتلال 1، طبعة 1982، ص 445.

-204- أنطوان سعد، مار نصرالله بطرس صفير، السادس والسبعون، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 2005، دار سائر المشرق.

 

“المسيرة” ـ العدد 1750

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل