ليسَ عجيباً، أبداً، أن ينطلقَ لسانٌ، في أيّامِنا الموبوءة، ليؤدّيَ ضرراً تشويهيّاً يطالُ صاحبَه، وليس سلامةَ عقولِ الناس، استناداً الى تحويلِهِ المديحَ المتَبادَلَ مع طَرَفِ ” الغَزَلِ ” الآخر، الى هجاءٍ لهذا الآخرِ، وتعديدِ معايبِ أدائِه، ولا سيّما في ما يتعلَّقُ بجدولِ تَفاهمِهما. فبعدَ أن استنفدَ اللّسانُ، ولسنواتٍ طويلاتٍ تُشبهُهُ، سَيلَ الكلامِ في إغداقِ التّقريظِ على الآخرِ، وتَبجيلِهِ بألقابٍ أسطوريّةٍ، والتّهليلِ بهِ شخصاً فَذّاً ومن التُّحَفِ التي أنجبَها الزّمان، مُنفِقاً كلَّ وسائلِ التملّقِ والإستمالة، ها هو، ولسببٍ مندرجاتُهُ مَصلحيّةٌ صِرف، ينقلبُ على نفسِهِ، وينهالُ على هذا الفَذِّ تهكّماً، واتّهاماتٍ، ومَكروهَ صِفات، وسَلبَ هيبة.
اعتبرَ البعضُ أنّ اللّسانَ عادَ الى رُشدِهِ، وبَلَّلَ رَذاذُ التعقّلِ مُخَّه، واقتربَ من دائرةِ الصَّواب، وفَكَّ قيودَ الإنجرافِ نحوَ الآخر، فلم يَعُدْ من المُعَظِّمينَ الذين يرونَ في ذاك الآخرِ كمالاً، وجلالاً، ويعتبرونَه نعمةً مَنَّ بها اللهُ على البشر، فيقتضي الإنتفاعُ منها لنَيلِ الحظوةِ في الدّنيا والآخرة. لكنّ النّابِهين الفَطِنين، وإذ سمعوا من اللّسانِ دماراً شاملاً في المنطق، وإفلاساً تاماً في المصداقيّة، وإسفافاً فاضحاً في التّخاطب، مالوا الى الشكِّ في أنّ اللّسانَ ينطقُ بحسبِ قناعاتِ صاحبِهِ، لأنّهم يعرفون، تماماً، أنّ صاحبَه مختومٌ عليهِ بالتلوّنِ، والوصوليّة، وأنّ ترّهاتِهِ متعدّدةُ الجوانب، ليس أقلَّها الفسادُ، والصّفقاتُ المشبوهة، والإحتيالُ المتمادي.
من هنا، يمكنُ لأصحابِ الحِجى أن يقدّموا المشورةَ الى الذين لا يزالون واهِمينَ مُنجرِفين في التّصديق، لتَجَنّبِ الوقوعِ في الخطأ، لِما فيه صلاحُ عقولِهم، وخيرُ حياتِهم ووطنِهم، وذلك بأن يكفّوا عن تَلَقّفِ توجيهاتِ اللّسان، وعن تَبَنّي أكاذيبِهِ، واعتبارِهِ نقيّاً، رزيناً، ليكفَّ اعتبارُهم، بالمقابل، منقوصي الفهم، وعديمي التنبّه. وليس هذا المَقالُ للسخريةِ مِمَّن يستمرّونَ في التّصديقِ والتّصفيق، وفي اعتبارِهم اللّسانَ هابطاً من ضِلعِ أرسطو، إنّما للطّلبِ منهم أن يبحثوا عن المقاصدِ والغاياتِ التي يرمي إليها اللّسانُ من التّغييرِ الذي أتاه.
هل الأهدافُ من الإنقلابِ هي، فِعلاً، تصبُّ في مصلحةِ الوطنِ والنّاس، كما يدّعي ؟ هل يستمرُّ هذا الإنقلابُ على حالِهِ، إذا وُعِدَ اللّسانُ بِما يرغبُ بهِ من الآخر ؟
إذا أردنا أن نستشرفَ الآتي، في هذه الإشكاليّة، إِنْ صَحَّ اعتبارُها قائمة، كان من الضّروريّ أن نتبيّنَ أهليّةَ اللّسانِ في التقيّدِ بثوابتَ إلزاميّةٍ، أبرزُها معادلةُ الصّائبِ والمُخطِئ، ما يبعدُهُ عن الشَّطَط، والتلوّن. من هنا، علينا أن نتثبَّتَ، وبالإطّلاعِ على ماضي اللّسانِ وحاضرِهِ، من حقيقتِهِ غيرِ المُمَوَّهة، للوصولِ الى إجابةٍ لِما يُمكنُ اعتبارُها إشكاليّة. وطلباً للحقيقةِ بالتّأكيد، واستناداً الى المتابعةِ في الوسائلِ كافةً، فاللّسانُ لم يكن، يوماً، من أهلِ الحصافةِ، والحسِّ العموميّ، والذِّهنِ الوطنيِّ البَصير، وما كانَ جيّدَ الرّأيِ في إصلاحِ خللِ الدولةِ، مساهماً في مدمكةِ المؤسّسات، صادقاً في تواقيعِه… وبالعكس، لم يكنْ، يوماً، إلّا لاهِثاً خلفَ مصالحِهِ، جاعلاً منافعَهُ أولويّةً قصوى في سلوكِهِ، داعِماً الآخرَ في وضعِ يدِهِ على الحكمِ، غيرَ أبهٍ بمصيرِ الوطنِ وشعبِهِ، مُستفيداً من هذا الدّعمِ الذي يوفّرُهُ للآخرِ لينهبَ الدولة….
وبالعودةِ الى استعراضِ إنجازاتِ اللّسانِ الموثَّقة، وعلى كلِّ الصُّعُد، وارتكازاً الى قاعدةِ البحثِ الموضوعيِّ الحياديّ، نخلصُ الى أنّ اللّسانَ ضربَ نصوصَ القوانين بعرضِ الحائط، وتلطّى بشعارِ مكافحةِ الفسادِ، من دونِ أن يقومَ بأيّ خطوةٍ إنجازيّةٍ في هذه المسألة، إنْ لم نَقُل إنّه كان واحداً من رموزِ الفسادِ في البلاد، وأمسكَ بالسلطةِ بشكلٍ إحتكاريٍّ تَهميشيٍّ مُلتَوٍ، وكلّفَ المواطنينَ خبزَهم ليسدّوا هدرَه وصفقاتِه… بالإضافةِ الى أنّه وضعَ عنواناً واحداً لسلوكِهِ، في السلطةِ وخارجها، هو : ” مصلحتي فوق كلِّ اعتبار “.
من هنا، نُجيبُ على السؤالِ بسؤال : الى أيِّ مدًى يمكنُ الوثوقُ بهذا اللّسانِ في أن يكونَ تغييريّاً صادقاً ؟ أوليسَ صِدقُهُ هو إلغاءً لحقيقتِهِ ؟ …
.jpg)