#dfp #adsense

خاص – الأم وطنٌ.. فاحفظوا أوطانكم (مارتن حبشي)

حجم الخط

الأم

بالحقيقة ضاع الحبر بين الكلمات، وباتت أوصاف الدنيا عاجزة عن التعبير عنها. فهي من تنعَّم كتاب التاريخ في وصفها، وهي من تفتَّحت أزهار الربيع يوم عيدها. أكتب وبالحق إن الأفكار لا تعرف المرسى، فماذا عسانا نقول لـ”الأم” بعيدها؟ ماذا عسانا نقول لمن حملت الأجيال والأبطال والبيوت فوق كفّيها؟ الأم وطنٌ عرفه حقاً من تغرَّب وبات بدون وطن.

جبران خليل جبران تنعَّم بوصف الأم قائلاً: “كل البيوت مظلمة إلى أن تستيقظ الأم”.. أليست الحقيقة؟ فشاهدة هي أضواء المطابخ وموائد الفطور وأكياس “الزوّادة” التي لا تفارق يد الأم. شاهدة هي أبواب المنازل ونوافذ الليل والشرفات التي لا تخلد إلى النوم قبل خلود أبنائها. فلا يمكن بجملة “كلمات” أن نختصر إرثاً ولد التاريخ من أحشائه، ومحبة لا تعرفها سوى “الأمومة”.

من يعرف “الأمومة”؟ لا أحد يعرفها سوى الأم بذاتها. فنحن لا نتكلم عن فكر أو قضية، نحن نتكلم عن علاقة لم تنته بقطع “حبل السرّة” يوم الولادة، ولن تقف جنب نعشٍ أو حزن قلب. نحن نتكلم عن علاقة قامت عليها قصص العظماء وباتت بذاتها أمّاً للفكر والثورة والحياة. نحن نتكلم عن علاقة “الأمومة” التي ذهبت إلى أقصى معانيها، فلم تختصر بالأم التي تلد، وباتت الأم “المربية” رسالة بذاتها.

الأم وطنٌ فاحفظوا أوطانكم، ولن يعرف المعنى سوى فاقد الوطن وفاقد ذاك الحضن، وهذا بحكم حق الحياة وسنّتها. بالتالي إحتراماً للأمومة ووقوفاً على طرف واقعٍ اجتماعي، كيف تبرز الأم “الصامدة” بوجه التحديات وهل نقدّر فعلاً أوطان “الأمومة”؟

نستهل الموضوع المطروح، سنداً لعلم الاجتماع الذي ينطلق بمفهومه حول تكوين المجتمعات من الركيزة الأولى (noyau) لبناء المجتمع، والمتكونة أساساً من العائلة الصغرى أي الأسرة. فتجمع العوائل هو من يشكل انتظاماً اجتماعياً معيناً. من هنا لم يخطئ من قال “اعطوني أمهات، أعطيكم دولاً” فهي الباب الأول للتربية ونقل الثقافات بين الأجيال. بالتالي ننطلق من هذا التعريف لنحدد أهمية الأم داخل المجتمعات وتوصيفها كـ”عمود فقري” لبناء مجتمع سليم.

في الواقع من يتجوّل في شوارع بلدته صباحاً سيلحظ أن الكلمات المتناثرة باتت كأوراق الجرائد في الزمن الجميل، فاعلموا أنه لا يزال هناك “قهوة” الصباح وأحاديث الجيرة والطرقات، فلبنان بأسره يتساءل كيف لوطنٍ منكوب أن يتنفس؟ وكيف لشعبٍ أن يعيش حيث فقدت الحياة؟

إنما نسينا لفترة أن في لبنان “أمّ”، وهذه المنازل قائمة على تجاعيد وجوه عرفت من الزمن معنى الصمود، لا بل معنى عيش الحياة تحت وطأة الصمود. فمن خلال بحث معمق لفريق موقع القوات اللبنانية الإلكتروني عن وجود “الأمّ” التاريخي في هذا المجتمع، تبين أن هذه الجبال باتت جلولاً بفعل حبها، وأن الأطفال باتت أجيالاً بفعل تربيتها، وأن الصمود رافق لبنان لأن أمّ الأبطال لم تعرف اليأس بل حوّلت وفرة أرضها إلى نعم موائد تطعم آلاف المحبين.

من هذا المنطلق بتنا أمام مفهوم “الأم الصامدة”، وهي متناسقة الأطراف بين الأم “المربية” والأم “العاملة” والأم “الملتزمة”.

فالأم المربية، هي من أثبتت بفعل حركة المجتمعات أنها المدرّس الأول في المدرسة الأولى، فكيف إن تكلمنا عن فعل الأمهات؟

والأم العاملة، هنا المقصود طبعاً تعب الأم وشقاؤها، فمنذ تكوين لبنان كانت هي أساس المنزل ومن يديها استقت الرجال، ليكون صمود وبقاء وحياة. وهي من تطورت بفعل الزمن لتكون اليوم مثالاً في العمل والاجتهاد ومبادرة في النجاح والتطور.

أما الأم الملتزمة، بالمعنى الإيجابي للكلمة، فهي من التزمت مفهوم العائلة، فكان من التزامها ما يعرف بالعلم بـ”عنصر التماسك والترابط”، عائلة متماسكة تنتج مجتمعاً متماسكاً. فباتت الأم الملتزمة بـ”هوية العائلة” صمام أمانٍ لبقاء مجتمعاتنا صاحبة هوية وانتماء.

هذه المعادلة ليست وليدة عاطفة ممزوجة بالحبر، هي نتيجة تاريخ روى لنا قصص الأمهات الأبطال، فمن كان الأمير فخر الدين لو لم تغيّر أمّه نسب بحكم أمومتها واقع حياته؟ وإن كان ذلك للأمير، فاعلموا أن للفلاحين ألف قصة وقصة.

لماذا لبنان يتنفس؟ لأنه بالحقيقة وبعيداً عن العلم والأرقام لا يزال هناك أمّ تتنفس. فألف تحية لها في عيدها وألف رحمة على من سبقونا إلى السماء، فما دام هناك أمٌ بمعنى كلمتها سوف تلد الأبطال وتنبت القيم وتكبر المجتمعات. كيف لا، والأم بصمودها خلقت الحياة؟. فلكل أمّ تحية تقدير ومحبة.​

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل