
ما عادت القصة في الجنوب، مجرد تبادل للقصف بين “الحزب” والاسرائيليين، صارت المواجهة العسكرية فوق تتجه نحو الداخل إنما بأشكال مختلفة. المواجهة هناك، بين “الحزب” والقرى المسيحية الصامدة تحديدًا، واليوم كانت رميش، هي مواجهة بقاء، فإما أن يرضخ الأهالي كل الأهالي بمن فيهم رميش لكل ما يفعله “الحزب”، وإما أن تتحول القرى الى رماد ونار. هذه هي الأجواء وهذه هي سياسة الحزب التي بدأت تظهر معالمها بوضوح فاقع في المكان.
“لسنا مكسر عصا لأحد. لسنا زنادقة ولا نحن مهاجرون ولا لاجئون، ولا نقبل أن تمارس علينا سياسة التهجير بالقوة، مباشرة او غير مباشرة” يقول أحد أهالي بلدة رميش الحدودية. حدث كبير حصل في المكان. قرعت أجراس البلدة منذ الصباح الباكر، وأجراس الكنائس في العادة ومنذ القدم، إذا قرعت غير يوم الأحد، فالأمر يعني إما حريق اندلع والدعوة للأهالي للتوجه لإطفاء النيران، وإما ثمة خطر كبير يحدق بالمكان.
رميش وكما سواها من القرى المسيحية الحدودية تحديدًا، تعرضت لخطر كبير داهم حين حاول عناصر من “الحزب” نصب راجمة صواريخ بين أحد الاحياء السكنية، ولما اعترض الأهالي أطلقوا النار في الهواء، فقرعت البلدة أجراسها لتتنادى لرد خطر الردود الإسرائيلية على النيران، وقام شباب البلدة بمطاردة العناصر التي حاولت نصب المدافع. ماذا يريد “الحزب” من أهالي تلك المناطق تحديدًا، وهو الذي يدعي العيش المشترك وحماية الأهالي وما شابه من شعارات؟ “لا يحمينا الا الجيش اللبناني، أما عناصر الحزب فيسببون للجنوب بالدمار والموت المجاني” يقول أهل رميش.
ليست المرة الاولى التي يحاول فيها “الحزب” نصب راجمات صواريخه في تلك القرى وبين الأحياء السكنية تحديدًا، فقبل عيد الميلاد بنحو يومين، توجهوا الى ما يعرف بـ”حي الفيلات”، ونصبوا الراجمات هناك وبدأوا بالقصف. “الحمدلله أن الإسرائيليين لم يردوا على مصادر النيران يومذاك، والا لتدمرت القرية”، يقول غابي الحاج رئيس مركز رميش في “القوات اللبنانية”.
6 كانون الثاني قصف “الحزب” ستين صاروخًا من البلدة، وتسلل عناصر منه الى شرفة منزل الحاج واختبأوا هناك.
من خراج البلدة وبساتين الزيتون فيها، حاولوا مرارًا وتكرارًا القصف، وآخرها في الأسبوع الماضي، في وقت كان أهالي رميش يزرعون الدخان في منطقة “سعسع”، تسللوا بين الناس وقصفوا صاروخًا وهربوا من دون أي مراعاة لحياة المزارعين المنهمكين بأرضهم، ثم ركنوا سيارتهم أمام أحد الفنادق الواقع على الحدود بين رميش وعين إبل، حيث بقيت لأيام، والأهل مرتعبون من تعرضها للقصف الإسرائيلي عبر إحدى مسيراتهم.
26 آذار، ومن أمام ثانوية البلدة والبيوت السكنية، وفيما كانوا يحاولون نصب راجمة صواريخ، تدخل أحد الأهالي طالبًا منهم الابتعاد عن المكان، شتموه واطلقوا النار فوق رأسه، فهرع لقرع الأجراس، فطاردهم الأهالي وأخرجوهم من البلدة. ومع ذلك لم يرتدعوا فتوجهوا نحو البئر الارتوازي الذي يروي البلدة، حيث وضع الأهالي طاقة شمسية بقيمة 300 الف دولار لأجل البئر، فقصفوا من أمامه مباشرة، ثم توجهوا الى حرش الصنوبر المحاصَر بالبيوت وأحد الفنادق، وبدأوا القصف، الى حين وصلت دورية للجيش اللبناني مع الأهالي، فتوقفوا وذهبوا باتجاه عيتا، هذا عدا عن الجولات غير المبررة بالسيارات بين البلدات، بهدف الترويع والإيحاء بأن أهل المكان هم تحت سيطرتهم الكاملة، وعندما حاول الأهالي إقناعهم بعدم التجول كي لا يتعرضوا للقصف، كان الجواب “بيوتكن مش أحسن من بيوتنا”…!!!
ما عاد من مكان هنا لعلامات التعجّب، اذ إن العجب، كل العجب، أن يحاول هؤلاء “المقاومين”، تفهّم وضع تلك القرى التي تفعل المستحيل للصمود والبقاء في أرضها، في ظل ظروف قاسية جدًا جدًا، ومع ذلك يصمدون ويقاومون ويحرسون البيوت والممتلكات والأراضي، ولكن هي سلسلة يومية من المحاولات الجدية لعناصر “الحزب”، لتعميم الخطر على الجنوب كافة على اعتبار أن “بيوتكن مش احسن من بيوتنا”. وانطلاقًا من موقف طائفي خطير، يجعل مبدأ إما أن تشاركوا معنا في حرب تدمير الجنوب ولبنان كله، وإما أن نموت ونتدمّر جميعًا!
“على أهالي القرى الجنوبية أن تحذو حذو أهالي رميش بمنع إطلاق الصواريخ من بين البيوت، حفاظًا على أرواح الناس من الرد العدواني”، كتب الصحافي محمد الامين. كلام فيه الكثير من العنفوان والتعلّق بالأرض والتصدي لمحاولات التهجير تلك، كلام نابع من مواطن لبناني شيعي وليس العكس، مواطن يخاف على من تبقى من أهل الجنوب الصامدين، والذين يحاولون أن يعيشوا حياتهم وطقوسهم كجزء أساسي من نضالهم لأجل ثقافة الحياة، المصرون على اعتناقها في وجه ثقافة الموت المجاني تلك التي تتصدى له، وكأن الهدف الفعلي، جعل الجنوب أرضًا من لون طائفي واحد، علّ هذا يكون “الانتصار” الكبير البديل، طالما الانتصار على العدو الإسرائيلي يبدو حتى اللحظة مستحيلًا، ولبنان عبر تلك “المقاومة” هو المهزوم الأكبر في كل شيء.
