وتبقى “القوات” رأس الحربة

حجم الخط

القوات اللبنانية

وتبقى “القوات” رأس الحربة

إغتالوا المؤسس واعتقلوا المُمَأسِّس ولم تنهزم

 

اغتيل مؤسِّس “القوات اللبنانية” بشير الجميل بهدف اغتيال مشروع قيام دولة فعلية، واعتقل رئيس “القوات اللبنانية” سمير جعجع بهدف تمرير مشروع هيمنة النظام السوري على لبنان، والمطلوب في الحالتين إبقاء لبنان ساحة، والمصادفة ان المؤسِّس والمُمَأسِّس كانا في المرحلتين العقبة الأساسية أمام النظام السوري، وكان المطلوب إزاحتهما من المشهد لخطورتهما على مشروع سيطرته على لبنان.

وما تقدّم يؤشر بوضوح إلى ان “القوات اللبنانية” منذ المؤسِّس إلى المُمَأسِّس شكلت رأس حربة في مواجهة محور الممانعة بفرعه النظام السوري أولا، وفرعه “حزب الله” ثانيا، وقد شكلت هذا الدور بسبب قوتها العسكرية بداية وتنظيمها الحزبي لاحقًا وحيثيتها الشعبية والوطنية دائما وقوة موقفها السياسي ووضوحه بتمسكها بالثوابت والمبادئ والمسلمات في الأوقات كلها.

وحافظت “القوات اللبنانية” منذ التأسيس إلى اليوم على موقعها في صدارة المواجهة السياسية، حيث لم يجد النظام السوري سبيلا لإنهاء حلم البشير سوى باغتياله، ولم يجد وسيلة للإطباق على البلد سوى باعتقال الحكيم، فكانت “القوات” دوما الحاجز الأخير أمام مخططات الممانعة الرامية إلى إبقاء لبنان ساحة.

لو لم يُغتال المؤسِّس لكان الحلم أصبح حقيقة، ولو لم يُعتقل المُمَأسِّس لما استتبع لبنان لنظام البعث، وكما ترى “القوات” بأن الممانعة تشكل خطرًا على لبنان، ترى الممانعة بأن “القوات” تشكل خطرًا على مشروعها في لبنان، وبالتالي هي مواجهة مفتوحة ومستمرة بين مشروعين يستحيل تعايشهما على أرض واحدة، فإما تنتصر الممانعة فيبقى لبنان ساحة، وإما تنتصر “القوات” فيستعيد لبنان مقومات الدولة الفعلية.

قوة “القوات” انها لم تنكسر ولم تنهزم أمام الممانعة لا في اغتيال المؤسِّس ولا في اعتقال المُمَأسِّس، إنما واصلت المواجهة والنضال، وكما حرمها بشير فرصة الفوز عليه في حياته، حرمها سمير فرصة خروجه من لبنان لتقول بان من واجهها هرب من المواجهة، فاختار المعتقل ليقول بان “القوات” لا تهرب من مواجهة وتبقى في الأرض التي ارتوت بدماء آلاف الشهداء واحتضنت من دافع عن سيادتها وكرامة شعبها وعنفوانه.

وقد أرادت الممانعة من اعتقال الحكيم القضاء على آخر مربّع للسيادة في لبنان، ولكن إصرار الحكيم على البقاء في لبنان حوّل معتقله إلى آخر مربّع سيادي في مواجهة النظام السوري، فقام بقتال تراجعي بانتظار الظروف التي تسمح بالقتال التوسعّي، ولو لم يحافظ على هذا المربّع الصغير في معتقله لما أسّس للمربّع الكبير خارج المعتقل، وبرهن ان “القوات” إما تسقط في أرض المعركة، وإما تعتقل، ولكنها لا تستسلم لعدو ولا تهرب من مواجهة ولا تتطبّع مع الأمر الواقع، وهذا سرّ “القوات” وسحرها.

سرّ “القوات” انها مؤمنة بقضية وتاريخ وحرية وحقّ في الوجود ولا تمثِّل على شعبها وناسها وليست من مدرسة الكراسي والمناصب والمواقع ولا تتطلّع إلى السلطة للوجاهة، إنما للمواجهة دفاعا عن إنسان وحرية ودولة ودستور.

وسحر “القوات” انها دائما في الخطوط الأمامية للمواجهة ورأس الحربة في الدفاع عن لبنان التعددية والسيادة والحرية ولا تُخلي أرض المعركة ولا تفقد الأمل ولا تحبط عزيمتها ولا يتراجع عزمها، وسحرها انها تجوهر في الأزمات الكبرى ولا تتأثّر برياح خارجية ولا تقيم حساب لأنظمة ومحاور، ومصلحتها الوحيدة سيادة لبنان وحرية اللبنانيين.

وقد اعتقد النظام السوري ان اعتقال الحكيم هو آخر محطة لوضع يده الكاملة على لبنان، ولكنه لم يتوقّع ان صمود الحكيم سيتحوّل إلى صمود “قوات” وشعب ويؤسِّس لثورة وانتفاضة، وقد اختبر الانتفاضة ضد اتفاقه الثلاثي، واعتقد انه بالاعتقال ينتقم بمفعول رجعي ويقضي على أي امل بانتفاضة جديدة، ولكن من أسّس لانتفاضة 15 كانون الثاني 1986 منعا لاستتباع لبنان لسوريا عاد وأسّس لانتفاضة جديدة، ولكن هذه المرة من معتقله لانتفاضة 14 آذار 2005 التي أخرجت الجيش السوري من لبنان.

وقد أراد النظام السوري من الاعتقال ان يذلّ المقاومة اللبنانية التي أذلّت النظام السوري في أكثر من معركة عسكرية ومواجهة سياسية، ولكن تمسُّك الحكيم بموقفه وثباته وصموده حوّل الإذلال إلى ملحمة وبطولة وعنفوان وكرامة وشكل أمثولة للأجيال بان خسارة جولة نتيجة تحولات دولية كبرى لا تقود إلى استسلام ولا إلى تغيير في المسار والمسيرة، إنما إلى التهيئة لجولة وجولات جديدة، وهذا ما حصل مع اغتيال المؤسِّس واعتقال المُمَأسِّس.

وقد أراد النظام السوري من اعتقال رأس “القوات اللبنانية” ان يطوي صفحة “القوات” وان يوجِّه رسالة إلى حلفائه وخصومه بان من يواجه النظام السوري مصيره الاغتيال والاعتقال، ولكن الحكيم فتح مع اعتقاله صفحة جديدة من مواجهة لم تنته مع خروج الجيش السوري من لبنان، ولن تنتهي قبل ان يستعيد لبنان سيادته واستقلاله وعافيته واستقراره.

وفي الوقت الذي رأى فيه النظام السوري ان حلّ حزب “القوات اللبنانية” واعتقال رئيسها هو نهاية لمرحلة وحقبة، رأى فيها الحكيم مجرّد جولة جديدة في مواجهة المختلف فيها هو الشكل فقط، ولكن المضمون واحد والأهداف نفسها، وقد انتصرت “القوات” أولا لأن رئيسها أبقى المواجهة على أرض لبنان بمعزل عن المكان والمساحة التي يواجه فيها، وانتصرت ثانيا لأن رئيسها لم يتراجع قيد أنملة عن أهداف القضية، وانتصرت ثالثًا لأن رئيسها أظهر بثباته ان اعتقاله هو اعتقال للبنان، وانتصرت رابعا لأن المُعتَقِل خرج من لبنان والمُعتَقَل خرج من زنزانته.

وقد كشف رئيس “القوات” في كلمته المختصرة في ريسيتال الآلام في معراب هذه السنة عن سر قوته وقوة “القوات”، بقوله: “نحن شعب مؤمن، مليء بالرجاء، والا كيف استطعنا على مدى 1500 سنة الحفاظ على وجودنا وإيماننا وحريّتنا، وطريقة عيشنا. نحن شعب صلب، لم يلن في تاريخه امام أعتى وأكبر الإمبراطوريات. نحن شعب نشيط، ناجح، حوّل الجبال القاسية المنحدرة الى أراضٍ خصبة، ولمع حتى في أكثر البلدان المتقدمة والمتطوّرة. شعب “هالقد عندو تاريخ” ويتمتع بالصلابة والإيمان والتصميم، لذا من غير الممكن ان تقف في وجهه أي صعوبة مهما كانت كبيرة. “الصعب عا غيرنا، هيّن علينا”، نحن شعب لا يموت”.

وقد تقصّد الإشارة إلى 1500 سنة من النضال والصمود في مواجهة أعتى الإمبراطوريات للقول بان استمراريتنا في هذه الأرض هي القاعدة، والاستثناء يكمن في تبدُّل أسماء وهويات المعتدين على هذه الأرض وشعبها، ولكن النصر دائما لأصحاب الأرض الذين يدافعون عن حريتهم، كما تقصّد الإشارة إلى هذا التاريخ الطويل من المواجهة لإفهام من يجب أن يفهم بانه قد يربح جولات، ولكن الجولة النهائية من نصيب من يريد إبقاء لبنان مساحة حرية وكرامة وعنفوان، وإفهام من يجب ان يفهم ان مصيره لن يختلف عمن سبقه.

ولو غادر رئيس “القوات” لبنان او استسلم لكانت القضية انتقلت إلى قوة أخرى، لأن القضية لا تموت، ولكن الحكيم أبقى “القوات” رأس الحربة دفاعا عن أهداف القضية.

 

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

“المسيرة” ـ العدد 1751

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل