هل تموت “القيامة”؟

حجم الخط

القيامة

نحن قِياميّون. خُلِقنا لنحيا، لا لنموت؛ بل نموت لنحيا. هكذا تتجلّى قمّة صراعنا الإيماني في هذه الدّنيا. ولن نقبل بأن نُسَاق إلى الذّبح لنقدَّمَ أضاحي على مذبح المصالح الثورويّة ـ الايديولوجيّة ـ التوسّعيّة ـ الاستعمارية المستجِدَّة. إنّه تاريخنا الإيماني الذي جسّدناه كلبنانيّين أحرارًا في حدود جغرافيّة بلغت 10452 كلم2. وحملناه معنا إلى كلّ صِقع من الأصقاع الأربعة حيثما حللنا.

 

صراع جدليّات الوجود

جدليّة الموت والحياة تقابلها جدليّة وجوديّة أخرى قوام فرعيها الخير والشرّ. فلا يمكن لمن يقبل بالحياة القبول بالشرّ؛ كذلك لا يمكن لمَن يبشّر بالموت أن يقبل الخير. وجدليّات أخرى ترتبط بالأبعاد القياميّة – القِيَميّة التي  نؤمن بها كلبنانيّين كِيانيّين أحرارًا. لا يمكن أن نحيا في وطن لا يضمن سيرورة استمرارها، وصيرورة استقرارها. وما بين الاستقرار على الاستمرار أو الاستمرار على الاستقرار، نحن اخترنا القيامة المستمرّة لنستقرّ في هذا الشّرق المكلوم حيث وُلدَت القيامة.

لكنّ الإشكاليّة الكبرى التي بتنا في قعرها اليوم لا تكمن في طبيعة خيارنا القياميّ  – القِيَمي بل في نجاح مَن يناهض هذا الخيار بأخذ قسم كبير من أترابنا في الوطن إلى خيارات لا تشبه تاريخنا الكياني. لذلك، نحن أمام واجب وطني تجاه الإنسان والحرّيّة والأرض التي تعهّدنا صونها لنبقى قياميّين. ولننجح بمهامنا هذه يجب أن نفهم الفكر الذي نجح مناوؤونا بزرعه في وسطنا لإحداث هذا الصدع الإيماني، ما أدّى إلى تدمير القيامة بمفاهيمها كلّها عند هؤلاء.

 

لأنّنا قياميّون… اخترنا الأهمّ

لكن بين المهمّ والأهمّ يبقى أنّ المهمّ الذي اختاره صغار النّفوس ليحافظوا على مُقَيْعَدٍ صغير لهم إلى موائد الفرّيسيّين، أو في مزارعهم، علّهم يملأون بطونهم من ذلك الخرنوب الذي كانت خنازيرهم تأكله. فلم يعطوهم شيئًا. أما آن الأوان لعودتهم لتعود القيامة التي أماتوها برحيلهم؟ وما نجح هؤلاء بانتزاع عقيدة القيامة من وجدان بعضنا إلّا لأنّ بعضهم هذا تخلّى عن إيمانه. هذا الإيمان المرتبط مسيحيًّا بلبنان. لا بل بوجه أخصّ مارونيًّا بلبنان هذا الذي تأسّس على الانتقال من الفردانيّة المارونيّة إلى الكُلَّانيّة اللبنانيّة. فنجح الموارنة القياميّون بإيجاد هذا الإطار الوطني لهم ولكلّ مَن يشبههم بهذا الإيمان اللبناني القياميّ. ودأبت في كتاباتي على نحت مصطلح فلسفيّ ـ سياسيّ لهذا الإطار فأطلقت عليه تسمية: “الكِيانيّة اللبنانيّة”. وهذا هو الأهمّ الذي اخترناه لأنّنا قياميّون.

إلا أننا لن نتمكّن من استعادة لبنان الذي عمل الآباء والأجداد أكثر من ألف وأربعمئة سنة من المقاومة والنّضال والتعب والعرق والدّم للوصول إلى بنائه إلّا باستعادتنا الإيمان القياميّ الذي ورثناه عنهم. لقد نجح الوافدون إلى صلب الكيانيّة اللبنانيّة بصلبها على صليب الإيديولوجيّات التوتاليتاريّة والمصالح الماركنتيليّة النفعيّة الرّخيصة كنفوسهم، حتّى إنّهم نجحوا بدفنها في قبر، فالجنود السماويّة انذهلت كلّها ومجّدت تنازل هذا الوطن الذي ارتضى بأن يوضع في قبر مصالح هؤلاء كلّهم، ليقوم في اليوم الثالث علّه ينجح بإقامتهم معه.

 

منك جُبِلوا بالذات…

وطننا هو الحياة. حين ذاق الممات، أعتق هؤلاء كلّهم من الموت. وهو الآن سيمنح الحياة للجميع بعد أن فاض من جنبه نبع واحد، جدول مضاعَف، ليروي مكوِّنَي هذه الكيانيّة الأساسيّين؛ فنستقي جميعنا منه، ليثمر لنا وطنًا خالدًا في هذه الدّنيا الفانية. واجب علينا جميعًا أن نعظّمك باستحقاق يا لبنان لأنّك معطي الحياة الوطنيّة لنا. لقد منحتنا هويّتك واسمك وعظمتك حتّى بتنا اللبنانيين الذين حملنا الحرف والتاريخ وأقمنا العالم وعمقنا الحيوي من موته الثقافي وجهله الحضاريّ.

كيف ننسى أنّك بسطت يديك على صليب العار الذي رفعك عليه بعض الذين تخلّوا عن الإيمان القيامي بك. هؤلاء الذين باعوك بثلاثين، وعادوا يبحثون عن شجرة تين، ولو غضّة، لينصبوا عليها مشنقتهم. حتّى هذه الشجرة ما حملتهم! إذ انكسر الغصن فيهم، وأبت أن تُسمّى على إسم موتهم. لقد سحقت بموتك قدرة سلطان الأعداء كلّهم، في الماضي البعيد والقريب. وكلّنا إيمان بأنّك ستسحق سلطان أعداء اليوم، ولو أنّ إيلامهم أكبر، لأنّهم جبلوا من ترابك أنت بالذات.

 

حبّة الحنطة والغفران العظيم

بآلامك يا لبنان نلنا نحن بالذات كلّ شفاء. فتحرّرنا من نير السجن الصغير الذي وضعنا فيه. لأنّنا عرفنا كيف نحبّ ذلك السجّان ونعمّده بعد خروجنا ليصبح مبشّرًا بك أنت بالذات. بذلك فقط، نجونا من فسادهم المقيت والرّخيص والعفن، فصرنا حبّة حنطة زرعت العبرات في الأرض، وأفرعت السّرور للجميع. صحيح أنّ الشمس والقمر أظلما لحظة موتك، والتحفا الليل كعبدين أمينين؛ لكن لقيامتك المجيدة كان ذلك كلّه.

حتّى إنّ أمّهاتنا ما تركنك وحدك يوم سُلخنا عنك، ووضعنا في أقبية الذلّ، ليميتونا قبلك، متَّ أنت عنّا، وهنّ أتين قبرك سحرًا مبكّرات جدًّا، حاملات قوارير الطيوب من عبق بخور أرزاتك وصنوبراتك وشربيناتك. قرّبن التسبيح، ورفعن الصلوات، وأهدينك الطيوب شوقًا لقيامتك. وذلك لإيمانهنّ بأنّك قادر على القيامة. بَكَيْنَكَ ربيعًا حلوًا عذبًا، حيث اختفى جمالك بعدما غطّوه برماد قبحهم.

وبينما ارتفعت أنّاتك العذبة على نفحات عطرهم العذب مع أرواح شهدائك المؤمنين، رحمت وسامحت وغفرت لكلّ الذين أساؤوا إليك لأنّك تعرف أن تحبّ. حتّى الذين لم يحبّوك أنت أحببتهم وأعطيتهم ذاتك هويّةً قياميّةً، لتؤنسنهم كِيانيًّا وتجعل منهم أبناء سارة وتحرّرهم من هاجر عبوديّتهم. فرفضوك ورجموك وجلدوك وصلبوك ودفنوك. لكنّك عدت وفجعتهم بقيامتك لأنّك مسيح قياميّ كيانيّ تذوق الموت لتقيم مَن يعرف أن يحبّك.

 

لأنّك القيامة والحياة … لن يميتوك أبدًا

هذه الحقيقة التي بها تحرّرنا وبشّرنا وبها قمنا. وإيماننا بك يا لبنان أكبر بكثير من إيمانهم بقدرتهم على إماتتك. وذلك لأنّنا قياميّون. نعرف كيف نحيا، لنموت فنحيا من جديد بالقيامة. نعرف تمامًا أنّنا اليوم نسير على درب جلجلة مهما طالت، فلا بدّ لها أن تنتهي، لأنّ إيماننا بالقيامة مطلق. وهذه القيامة بالذات لا تذوق الموت أبدًا، لأنّها غصن مزروع من كرمة المسيح الذي رُجم وجُلد وضُرب بحدّ السيف والسوط، ورُفع على الصليب، ودُفن ووُضع في قبر جديد، لكنّه في اليوم الثالث، بعدما وطئ الموت بالموت غلبه وقام. حقًّا قام. فالقيامة هي الحياة، وهذه الحياة بالذات لا تموت لأنّها تجسّد سرمديّة الوجود.

لذلك، لا تخافوا يومًا على وطن فلسفة بنائه هي القيامة بحدّ ذاتها. ولكن ما لا يخيف أبدًا أنّ القياميّين الذين يحملون أمانته هم والحقّ أكثريّة. والعدد الديمغرافيّ الجسدي لا يقيمون له أيّ اعتبار لأنّ للأعواد اليابسة أرقامًا تحصى بها أيضًا. كذلك الأرز والسنديان والشوح والصنوبر والشربين والصلبان والمسابح والبواريد والصخور والنهار والجبال والوديان والنّسور والرّجال الرّجال تحصى بالأرقام. لكن حذارِ… فهي كثيرة كثيرة كثيرة.

مسيحنا قيامة. لبناننا قيامة. تاريخنا قيامة. شعبنا قيامة. وأجيالنا كلّها قيامة. وكلّنا إيمان بأننا إن لم نقل اليوم حقًّا قام فغدًا حتمًا سنقول: لبنان قام … حقًّا قام.

“المسيرة” ـ العدد 1751

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل