#dfp #adsense

خاص – “المراقب”: طبيب “درجة درجة”.. دور من الدرجة الأولى

حجم الخط

خاص - "المراقب": طبيب "درجة درجة".. دور من الدرجة الأولى

“درجة درجة” كوميديا سوداء، كتابة مايا سعيد وإخراج مارك سلامة، مسلسل عُرِض خلال شهر رمضان المبارك على شاشة “روتانا”. خلقت الكاتبة مايا سعيد حبكة مضحكة/ساخرة من واقعنا، معتمدةً شخصيات ثابتة تتبع خطاً تفاقمياً يخدم اللعبة الدرامية، دون ادعاء أو بهرجة، دون مؤثرات فضفاضة أو ألاعيب رخيصة لاستقطاب حشرية المشاهدين.

الحبكة مبنية إلى حد بعيد على شخصيات تشبه خاصيّات كوميديا ديل آرتي النمطية. مارك سلامة ترجم أفكار مايا سعيد بإيقاعٍ خفيف، سريع ومشوق في آنٍ واحدٍ. كل شخصية في “درجة درجة” تتكلم وتتصرف حسب نمط مختلف ولها بنيتها الاجتماعية وتراكماتها.

لا يمكننا أن نتجاهل دور المنتج إيلي عرموني الذي بدا منغمساً، ليس فقط بالتقنيات والماديات، بل وكأنه غاص في أدق التفاصيل الفنية.

أتى الكاستينغ متجانساً في هذا العمل “رغم تعدد اللهجات”، ذلك بفضل خبرة وخفة الممثلين والممثلات إذ نشعر بتناغم بين المشاركين فيه.

صعوبة إيقاع الكوميديا السوداء وخطورتها يكمن في الأداء. إن “لعب” الممثلين كالركض في حقل ألغام، حيث يمكن أن يدوسوا بأي مشهد على لغم أدائي من حيث التعالي بالتمثيل.

لفتني دور الطبيب النفساني، الدكتور جابر، الذي أدّاه جوزيف بو نصار. شخصية مبنية على “قياس” هذا الممثل النادر. خبرته المسرحية خلال الستينيات مع غروتوفسكي ورينا ميريتسكا في بولندا ومع منير أبو دبس في لبنان، أعطت ثباتاً لأدائه خلال عدة سنوات عطاء، دون مساومة أو ابتذال.

كتبت مايا سعيد الدور خصيصاً لجوزيف بو نصار، صاحب الصوت المخملي والحضور الوازن، على غرار أورسن ويلز ولورانس أوليڤييه.

جوزيف بو نصار قارئ مهم للأدوار التي يلعبها ويحيكها كلها بذكاء. نشعر كم هو متطلب ومنهجي في تركيب الشخصيات التي يؤديها، لا سيما شخصية الدكتور جابر، حيث نرى ثمرة إتقانه لأصغر تفصيل وعمله الدقيق على الحركة والسلوكيات لحياكة الطبيعة الذاتية للدور.

تَقَمَّصَ بو نصار شخصية المعالج النفساني، الشخصية الطريفة والمشوقة، جاذباً المشاهد نحو عالمه الداخلي دون إرغامه على الاقتناع.

شخصية الطبيب تعاني بدورها من اضطراب الوسواس القهري، هذا العصاب الذي يسجن المصاب في عذاب فكري يلازمه ويدخله في طقوسية قهرية. يقول سيغموند فرويد إن هذا العصاب له علاقة بالسلطة الأبوية، المتمثلة بالصراع بين الأنا العليا والدوافع الغرائزية.

الدكتور جابر يتَّبِع منهج التحليل النفسي “اليونغي” المبني على علم النفس التحليلي. يونغ، الذي عاصر فرويد ووصلت علاقتهما إلى خلاف حاد، استند في نظريته على الميثولوجيا والأساطير واتبع “منطق” اللاوعي الجماعي الذي يجمع البشر كافة على صعيد السلوكيات، على الرغم من اختلافاتهم الثقافية والاجتماعية، والمبني على الغرائز والنماذج الأصلية البدائية (archetypes).

أما القفازات البيضاء (رمز المعرفة في محافل الماسونية والعفة في الطقوس الكاثوليكية) التي يرتديها الدكتور جابر، أخذت بعداً مختلفاً، لتدخلنا في سراديب عذاب الوسواس. فالقفازات لم تكن فقط إكسسواراً، بل أصبحت (القفازات) شخصية درامية تعبِّر عن وجع دون كلام، يرتديها المعالج المحتاج إلى علاج.

حُبكت شخصية الدكتور جابر بشكلٍ مختلف، فهي تتمتع بغوص بسيكولوجي/ درامي أكثر عمقاً من الشخصيات الأخرى المبنية على تراكمات نابعة من ماضيها والتي تحاكي بخفتها الكليشيهات الاجتماعية.

رأينا الكثير من مواضيع بسيكولوجية مماثلة تطرح في أفلام على غرار (Toc Toc, As Good as it gets, Monk, A Dangerous method).

“درجة درجة” عملٌ ناجح، صعوده السريع بمثابة “اسم على مسمّى”، أما الدكتور بو نصار أو جوزيف جابر، نسرٌ يطير عالياً وليس بحاجة إلى درج.

 

خبر عاجل