
لماذا انتسبت إلى حزب “القوات اللبنانية“؟! سؤال سألنيه القريب الذي يستهجن هذا الانتساب، من فريق خريج العراق، اصطف أهله إلى جانب الفصائل الفلسطينية، وصدام حسين، وسجن هو أهله لأجل تلك المبادئ. شاب تربّى في بيئة كانت تضجّ بمن أضاعتهم الطّريق إلى القدس، فألقت بهم في قريته التي تركها كلّ الذين دخلوها لليأس والتّهريب والحرمان والتجاوزات والمجهول. وزّعوا العتاد على أهلها الفلاحين الرّعاة المزارعين، وتركوهم يقضي بعضهم على بعضهم.
هذا السّؤال نفسه، لماذا انتسبت الى “القوات اللبنانية” طرحه عليّ مسيحيّون غير قواتيين، وشيعة وإسلاميون وشيوعيون وقوميّون وغيرهم.
يطرحونه بصيغة الاستنكار، الذي يجعلني أكاد أحس ببلوغ قوافلهم أهدافها من دوني، أنا الشريد التائه الذي لا يعرف ما يريد.
أخبرني أحدهم عن لسان دكتورة جامعية عروبية أنها معجبة جدًّا بما أكتب لولا أنّي متناقض.
ولأنّي أملك ستة وأربعين كروموزومًا في الـ DNA الخاص بي، نصفها من أمّي ونصفها من أبي، فإنّي أقرّ بأنّني اثنين في واحد. وقد غلّبت ما لي من أمّي على ما لي من أبي، لِما كانت تحمله من عشق للحريّة والسّلام والأرض.
لقد اخترت حزب القوات لمّا رأيت أنّ مشروع أهلي وربعي، مشروع تدميري.. حمل بذرة تدميره فيه من العراق إلى اليمن وليبيا فسوريا. وها هي كلّ العمارات الشّاهقة التي أنجزها ذلك المشروع قد سويت بالأرض بفضل سواعد مناضليه.
التحقت بالقوّات لأني سئمت الانتظار المزيف، والكذب المنتفخ. عشت رُبْعَي عمري على وهم الانتصار اليوم وغدًا وبعد غد على أقصى حد.
أجّلت قريتي كلّ احتياجاتها من ماء وكهرباء وتعليم وتنمية إلى حين انتصار ذلك المشروع، فاستفقنا جميعًا على هزيمة كبرى ما توقّعها كل الذين أوهموا نفسهم فيه على مدى عقود.
أخّرت قناعاتي حتّى أتممت تعليمي، ثمّ أخرتها حتّى أتممت قراءة آلاف الكتب. وأجلته مسيرة أكثر من أربعين عامًا من الغربة والسّفر بحثاً عن وطن وبداية.
غير أنّي كنت دائمًا أرى ما لا يغيب عنّي في أحلامي وأمانيي.
أريد وطنًا لأبنائي.
أريد أن أجنّب أبنائي شقاء الغربة ومشقاتها.
أريد أن يرث أبنائي صداقات وعلاقات مع الياس وجورج وطوني وعلي وكريم وغيرهم.
أريد أن يبني أبنائي على ما أعطيتهم من أرض بسند تمليك يحمل شعار الأرزة اللبنانية بيتًا، يقيمون فيه. يلتقون فيه أحباءهم اللبنانيين في كافّة الأعياد والمناسبات التي أحلّها الله والوطن والإنسانية.
لا أريدهم أن يكذبوا على معارفهم، ويظهروا لهم حبًّا مزيّفًا، لأجل مصالح آنية، ولا أريد لهم كذبة العيش المشترك، بل أريد لهم العيش معًا في ظل قيم لا تفرق بين مسجد وكنيسة، ولا بين إنسان وإنسان، فتخون هذا وتقدّس ذاك.
في لقاء مع رفاق في الحزب سألني الرّفيق شارل جبور:
“ماذا تريد من حزب القوات اللبنانية؟! وماذا تتوقّع أن يقدّم لك هذا الحزب”؟!
لم أفكر في إجابتي حين قلت: “بل أنا من يسألكم ماذا يريد منّي حزبي؟
وكيف يمكنني أن أخدمه، وأقدّم له”؟
أنا يا سائلي، لست طائرًا يغرّد خارج سربه، ولا شريدًا ضلّ الطريق ليأس وإحباط.
أنا يا سائلي ما كنت يومًا في سرب له سماء. كانت كلّ الأسراب التي من حولي كأسراب الحمام، تحلّق فوق رأس من يطعمها، ويصفّر لها، ويهشّ عليها بقميص كشاش حمام.
أنا يا سائلي سمائي تلك التي غنّاها وديع الصّافي، وفيروز ونصري شمس الدين. أنا طائر سكن سماءه كلُّ أولئك الأحبّة الرفاق الذين ينتظرونه هناك.
وأنا يا سائلي لست شريدًا هدّه الإحباط واليأس، إنّما أخّرني طول عنقي الذي حبست فيها صوتي طويلًا وطويلًا جدًّا. لا خوفًا، ولا ترددًا، بل سعيًا منّي لإقفال كلّ مسوغات العودة واللا قناعة عن قرار اتخذه.
لذا انتسبت إلى حزب القوات الذي أراهن على نفسي فيه، كما أراهن على كافّة الرّفاق لأجل تحقيق ما يليق بأبنائه اللبنانيين كافّة، والذين أؤمن أنّهم سيقدرون يومًا مهما تأخّر ذلك اليوم تضحيات كلّ الذين سبقونا في السّعي إلى وطن ودولة تليق بالإنسان عامّة وباللبناني خاصّة.
