
لو القاعة تتسع أكثر بعد، لكان كل لبنان شارك في إفطار معراب. لم يكن مجرد إفطار ولقاء حول كلام سياسي أو اجتماعي، بل كان إفطارًا لململم وطنًا حلوًا مصغّرًا مختصرًا، بحضور كبار من هذه الأرض، والكبار هنا ليس فقط بالمقامات الدينية أو السياسية أو الإعلامية والاجتماعية والحزبية، إنما كبار في الانتماء الوطني الصافي لهذه الأرض وحريتها وقيمة العيش المشترك الفعلي فيها.
في القاعة التي غصت بذاك الحضور الكبير، جلس لبنان الى زاويته الجميلة يراقب المشهد من كثب، جلس مستمعاً، مراقبًا، لم يتحدث لبنان، بل ترك الكلمة لبعض كثير من مناضلين لأجله، فابتسم، ابتسم سعيدا على شجنه، راضيًا على قهره، متأملًا على يأسه، بأن في الوطن المجرح بالاحتلال والفساد والعمالة، ثمة كثر بعد، فيهم الخير والبركة وهؤلاء سينقذونه من جحيمه.
لم يكن مجرد إفطار وموائد طعام لبنانية شهية أنيقة مزينة بأزهار الربيع، والأناقة اللافتة هنا، هي إحدى أبرز صفات اللقاءات التي تشهدها معراب، التي تسهر على التفاصيل كافة وبدقة متناهية، وتراعي كل الأصول المتبعة خصوصًا في إفطارات رمضان، بل كان عرس لقاء حقيقي بين الأديان، ونحن أصلًا لم نفترق لنلتقي، بل يحاولون غالبًا تفرقتنا كي يغيب الوطن في التباعد، ولم ينجحوا بالطبع ولن ينجحوا بالتأكيد، إذ كان لافتًا حضور عدد كبير من المشايخ الأجلاء، ومن بينهم العلاّمة علي الامين، الذي يتعرّض لحملات تشويه يومية من قِبل جمهور الممانعة بسبب رفضه المعلن لسياسة “الحزب” في لبنان، إضافة الى حضور لافت لعدد كبير من السفراء العرب واأاجانب وعدد كبير من السياسيين السياديين في لبنان، إضافة لوجوه إعلامية وحزبية متنوعة.
“معراب تعكس صورة لبنان الذي يريده أبناؤه بنعمة التعددية والعيش المشترك المتوازن. اليكم صورة لبنان الذي لا يريد الحرب، لبنان في وحدة ساحاته على مساحة الـ 10452 كلم مربع واسترجاع بيروت مدينة الثقافة والعلم والقلم، عاصمة الشرائع مدينة الفرح والحرية والتنوع مدينة الانفتاح على أشقائنا العرب”، قالت مقدمة إفطار معراب الاعلامية ساميا خداج، التي رحبت بالحضور عبر تعداد أسماء المشايخ خصوصًا، والسفراء فردًا فردًا، معتبرة أن معراب “جمعتنا في الشهر الفضيل في وقت تزامن صوم المسيحيين والمسلمين في عيدي الفصح المجيد والفطر السعيد”.
القاعة التي غصّت بالحضور الكريم، لم تمنع الحكيم من أن يجول على الجميع وأن يجالسهم، إذ دار على الطاولات كافة، تحادث والكل، تبادل مع الجميع شجون وطن لا يريد الا مساحات لقاء مشابهة، لا يريد الا السلام والتلاقي الحقيقي على مفهوم الدولة المحترمة، والجمهورية القوية والكرامة الإنسانية لبلاد الأرز.
“البلد كلو هون، شو هيدا، شو هالافطار الرائع، شي بيكِبر القلب”، قال مندهشًا أحد الصحافيين المشاركين، والكلام لم ينقل سوى بعضًا قليلًا من أجواء وطنية عالية جًدا سادت المكان، أو لنقل هي تلك الروح العائمة على الحرية، ولا تريد سوى وطنًا يرفرف بيرقه عاليًا، ولتكن السماء سقف الجميع طالما الله واحد. في إفطار معراب كانت سماء صافية من سماء ذاك اللبنان الحلو المتلاقي على قيم المواطنة والايمان بالله والأرض، وهذا يكفي.
الحكيم في كلمته كان هو، كما دائمًا، سمير جعجع المناضل الشرس لأجل حقيقة لبنان وحريته، رجل لا يجامل على حساب لبنان، ويعرف أن ضيوف المكان الذين صاروا وكأنهم من أهل البيت تمامًا، تماهوا معه في كل كلمة قالها في الخطاب، خصوصًا حين طالب بتطبيق القرارات الدولية إذ اعتبر أن الجنوب يعيش حرب استنزاف “وعلى الحكومة العمل فوراً لتطبيق القرار 1701، لأنّ لنا مصلحةً في ذلك، ويترافق ذلك مع انتشار الجيش اللبنانيّ على طول الحدود اللّبنانيّة الجنوبيّة، فيؤمّن الدفاع عن كلّ شبرٍ من الارض اللبنانية، ولا سيما أن الجميع خلفه، كما الدول العربية والعالم أجمع، يدعمه ويؤازره”، كما أنه لم يتردد في تذكير الرئيس نبيه بري بضرورة فتح أبواب البرلمان لأجل الاستحقاق الرئاسي “لان ثمّة حل وحيد لا حلّان، يكمن في دعوة رئيس المجلس النيابي، وبعد كلّ هذا التأخير، إلى جلسة مفتوحة بدورات متتالية، وحتماً سيكون لنا رئيسٌ في الدورات التالية سواء كانت ثانيةً أو ثالثة او رابعة”.
وفي الختام وكما هي عادته في بث روح الأمل والنضال قال الحكيم: “نحن أبناء الأمل نحن مستمرّون بنضالنا، في وجه كلّ العراقيل والصعاب والآلام، على الخطّ الوطني نفسه مستمرّون، لا ننعس ولا نلين الى حين قيام الدولة اللبنانية الناجزة والسيادة الكاملة، الى ان يعمّ الأمن والاستقرار في ربوع هذا الوطن والمنطقة بأسرها”.
هكذا كانت الصورة في إفطار معراب، لبنان الأديان في لقاء جميل حقيقي حول مائدة، أبرز أطباقها التلاقي لأجل الحرية والكرامة والسلام.
