#dfp #adsense

من يسعى فعلاً الى “الفتنة” في لبنان؟

حجم الخط

صحيفة النهار- عبدالوهاب بدرخان

الحال السياسية التي رافقت خطف باسكال سليمان وقتله والتخلّص من جثته في الأراضي السورية، أعادت مناخات “الفتنة” في لبنان. فالجريمة التي استهدفت مسؤولاً في حزب “القوات اللبنانية” تُذكّر بوقائع مماثلة أو شبيهة لأحداث وقعت عشية الحرب الأهلية أو أسهمت في تأجيجها. ومع أن الأوضاع الأمنية تبقى ممسوكة عموماً، إلا أن هذه الجريمة تكشف التناقض الخطير بين ما يظهر وما يخفى، خصوصاً عندما تصبح الحالات الجنائية متداخلة عضوياً مع الحالات السياسية، وعندما تكون عصابات الخطف والقتل والسرقة معروفة أو شبه معروفة ومستعدة لـ”تحصين” نفسها بتقديم خدمات للعصابات السياسية. لم يكن هناك افتراء أو حمق في استرجاع جرائم قديمة أو حديثة كان آخرها في جنوب لبنان اغتيال الناشط المدني المستقلّ #لقمان سليم (2021) والمسؤول “القواتي” الياس الحصروني (2023)، فالعمل عمل عصابات، والهدف المتوخّى سياسي قوامه إدامة التخويف والترهيب.

 

أن يكون قتلة باسكال سليمان لصوصاً “سوريين” قد يعني شيئاً وقد لا يعني. المهم أن يوضح التحقيق هويتهم وحقيقة ارتباطاتهم وسهولة تنقّلهم بين جانبي الحدود ومَن يتولى إبقاء تلك الحدود سائبة. كذلك، أن ينبري زعيم “حزب إيران” – وهو المنشغل بحرب مع العدو الإسرائيلي – لتبرئة “حزبه” من هذه الجريمة قد يعني شيئاً وقد لا يعني. فمن الممكن أن يكون “الحزب” بريئاً فعلاً، لكن المهم أن يبرهن أنه لا يعتمد على “وكلاء” للقيام بعمليات يريد أن يبعد عنه الاشتباه بارتكابها، إذ إن اقتراب الحرب من مرحلة حاسمة ربما يستوجب التذكير بأن “مشاغلته” للعدو لا تنسيه ضرورة تحذير خصومه السياسيين المحليين بأن لديه وسائل أخرى ولا يزال قادراً على إيذائهم. وكما أن هذا “الحزب” لا يريد سماع مزيد من الانتقاد لحربه “نصرةً لغزّة”، فإنه استكثر على مناصري “القوات” حقّهم في أن يغضبوا ويستنكروا قتل باسكال سليمان، ذاهباً الى حدّ اتهامهم بأنهم يسعون الى “فتنة” أهلية، وكأنهم رتّبوا هذه الجريمة ضد أنفسهم. لكن “الفتنة” الحقيقية هي في توريط البلاد بحرب مكلفة لا تريدها غالبية لبنانية عابرةٌ للطوائف كافةً.

 

قبل ذلك كان زعيم “حزب إيران” ردّ على تهديدات إسرائيل بـ”الترحيب بالحرب” وسط هتاف وهياج من حضر ليستمع الى خطابه في تأبين القائد الإيراني لـ”الساحات”. من الطبيعي أن يُظهر للعدو أن التهديدات لا تخيفه، لكن الحرب لم تعد مقامرة نفسية يراهن فيها كل طرف على قدراته النارية لا الردعية، بل قد تكون اقتربت من خطر التدمير الحقيقي. لكن كان من واجب زعيم “الحزب” أن يحسب حساب قلق بالغ يعمّ نفوس اللبنانيين، بمن فيهم جمهوره، فكيف توقّع أن يتلقّى هؤلاء كلامه عن “متاعب” العدو ومشاكله، إذ إنه أشار الى ما تكلّفه هذا العدو بانشغاله عسكرياً بجبهة جنوب لبنان، وباهتمامه اجتماعياً برعاية مستوطنيه المهجّرين من مناطق الشمال الإسرائيلي، لكن ماذا عما يتكبده المهجّرون اللبنانيون من الجنوب، وماذا عن رعايتهم وعن بيوتهم وأرزاقهم التي فقدوها وعن أراضيهم التي أحرقتها قنابل العدو الفوسفورية… كما أنه تحدث بشماتة مفهومة عن المأزق السياسي في إسرائيل وكيف أن ساستها سيُعاقبون ويتبدلون في أي انتخابات مقبلة، لكنه يعيّر هنا العدو بأن لديه “ديموقراطية” وناخبين يحاسبون قادتهم، فهل كانت هذه فرصة لـ”الافتخار” بما أنجزه “الحزب” في لبنان من تهميشٍ للدولة وتشويهٍ لصيغة التعايش وتعطيلٍ للدستور والمؤسسات ومنعٍ لانتخاب رئيس للجمهورية وترهيبٍ للقضاء وإعفاءٍ للمجرمين من أي محاسبة؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل