رواتب القطاع العام مين بيزيد؟ الكلفة وهمية والإيرادات مجهولة المصدر

حجم الخط

رواتب القطاع العام ـ مجلس الوزراءرواتب القطاع العام ـ بشارة الأسمررازي الحاج

تحت مسمّى تقديمات اجتماعية بهدف عدم إدخالها في صلب الراتب وترتيب أعباء مستقبلية على الخزينة، أقر مجلس الوزراء في 28 شباط الماضي زيادات على الرواتب. لكن الأمر لم ينتهِ هنا بالنسبة لموظفي القطاع العام، وعاد الحديث عن أن أيار المقبل سيشهد سلسلة رواتب جديدة معطوفة على بعض الترتيبات والإجراءات لإعادة تسيير عجلة الإدارات الرسمية. في المقابل وبعد اتساع الهوّة بين القطاعين العام والخاص، راح الإتحاد العمالي العام والنقابات على أنواعها يطالبون بزيادة الأجور لا سيّما القيمة المفصَح عنها للضمان. وفي 18 آذار 2024 نوقشت المسألة في السراي الحكومي، وقال وزير العمل مصطفى بيرم بعد الاجتماع: “هناك سلّة زيادات جيّدة على رواتب القطاع الخاص”. لكن من أين التمويل، وما تأثير كل ذلك على السوق والتضخّم؟

 

في الزيادات الأخيرة التي أقرتها الحكومة، نال موظفو القطاع العام والعسكريون الذين هم في الخدمة والمتقاعدون منهم زيادة توزعت على الشكل الآتي:

أولًا: يعطى العسكريون في الخدمة الفعلية في كافة الأسلاك 3 رواتب إضافية بحيث يصبح مجموع ما يتقاضونه 9 رواتب شهريًا زائد بدل نقل 9 مليون ليرة لبنانية بدل 5 ملايين ليرة لبنانية.

ثانيًا: يعطى المتقاعدون عسكريين ومدنيين 3 رواتب إضافية بحيث يصبح مجموع ما يتقاضونه 9 رواتب شهريًا على إلا تقل الزيادة عن 8 ملايين ليرة لبنانية زائد بدل سائق للضباط المتقاعدين الذين يستفيدون من سائق وقدره 5 ملايين ليرة لبنانية.

ثالثًا: يعطى الإداريون راتبين إضافيين بحيث يصبح مجموع ما يتقاضونه 9 رواتب شهريًا.

رابعًا: يعطى موظفو الإدارة بدل حضور يومي للموظفين بين 8 و16 صفيحة بنزين، تشمل كل الفئات من الأولى حتى الخامسة، بمعدل 14 يوم عمل في الشهر كحد أدنى شرط عدم التغيب.

خامسًا: يعطى موظفو الإدارة العامة مكافأة مثابرة في حال أمّنوا حضورًا شهريًا كاملًا ووفق معايير إنتاجية محددة ستحدد لاحقًا، على أن “تسري كل هذه الزيادات بمفعول رجعي من تاريخ 1-12-2023”.

 

أرقام ووعود وتخوُّف

هذا في القرار، لكن لا بد من البحث في الآليات والنتائج لمعرفة مآلات الأمور في المستقبل. أولًا، ثمّة عاملان مهمان وراء وجوب زيادة الأجور: تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم للموظفين وعائلاتهم، وتأمين تسيير المرفق العام ولو بالحد الأدنى أيضًا لإعادة تأمين خدمات المواطنين، خصوصًا أن الإضرابات كانت عمّت إدارات الدولة ومؤسساتها حتى تلك التي لم تكن تلجأ إلى الإضراب في وقت سابق. لكن كلفة الرواتب ستبلغ شهريًا 10700 مليار ليرة، فيما تبلغ التكلفة الإضافية للخطة 2900 مليار ليرة. وهذا سيرفع حجم الإنفاق المخصص لرواتب وأجور القطاع العام، إلى نحو 130 تريليون ليرة لبنانية سنويًا، أي ما يعادل 1.46 مليار دولار أميركي، مشكِّلًا قرابة الـ45 في المئة من إجمالي حجم الموازنة لعام 2024، التي تتضمن (نظريًّا) إيرادات بقيمة 320 تريليون ليرة، ونفقات بقيمة 295 تريليون ليرة.

والسؤال الذي يُطرح: من أين ستتأمّن الإيرادات لهذه الزيادات؟ وزارة المال كشفت أنه طالما أن الزيادات ستبقى ضمن هذا السقف، فالإيرادات متوفّرة لتغطية تلك الكلفة من عائداتها التي تحقّقها والتي زادت بنتيجة رفع الدولار الجمركي وسعر الصرف الرسمي. ولكن إذا فاقت الزيادات هذا الرقم، عندها سيواجه مصرف لبنان مخاطر تأمين الموارد الإضافية، الأمر الذي قد يؤثّر على سعر صرف الدولار.

إزاء ذلك تعود إلى الأذهان سلسلة 2017 التي اتُهِمَت بأنها كانت المسبب الرئيس في تسريع الانهيار الاقتصادي والمالي في البلاد. وعليه، فالزيادات اليوم قد تكون أخطر برأي الخبراء لأنها تأتي وسط الانهيار ولا مداخيل للدولة بل لا دولة أصلًا. ويعتبر خبراء أن قانون زيادة الأجور الذي صدر عام 2017، شكّل أحد العوامل الرئيسية المسببة للانهيار الاقتصادي في نهاية العام 2019، كونه رفع الأجور والمخصصات للعاملين في القطاع العام بشكل غير مدروس، ما ساهم في التعثر المالي للدولة.

مسؤول في المديرية العامة لوزارة المال، أوضح لـ”المسيرة”، ردًّا على سؤال، بأن “الكلفة الإجمالية للزيادات على الرواتب، ملحوظة في موازنة العام 2024، حيث ستعتمد الحكومة على الضرائب والرسوم التي تجبيها، لتأمين أموال الرواتب. والأمر اليوم غير ما كان عليه مع إقرار السلسلة لأن المالية احتاطت لهذا الأمر”. لكن الهيئات الاقتصادية أبدت حرصًا كبيرًا على عدم تكرار ما حصل في موضوع سلسلة الرتب والرواتب السابقة.

بالتوازي ترى الهيئات الاقتصادية أن هناك تضاربًا في المعلومات والمعطيات، وعدم وضوح في الأرقام، بالنسبة لما تم إقراره بشأن رواتب الموظفين في القطاع العام، والمتقاعدين منهم، داعيةً الحكومة إلى إعلان الكلفة الحقيقية التي ستترتّب على الزيادات. وما إذا كانت ستلتزم بالأرقام إنفاقًا وجبايةً، والكشف عن الطريقة التي سيتم من خلالها تمويل الزيادات إذا لم تتأمّن الجباية الكافية، وذلك في ظل غياب التمويل الداخلي والخارجي للبنان.

 

النقاش والزيادات والحقائق

عضو تكتّل “الجمهورية القوية” النائب رازي الحاج قال لـ”المسيرة” إن “الزيادات التي دفعت بشكل مساعدات وعلاوات لا تُعتبَر رفعًا للأجور لأنها لم تدخل في صلب الراتب ولا تكفي لتحل مشكلة الموظفين الذين يسيِّرون القطاع العام”. وأضاف: “من أول لحظة كنا نطالب بأن أية سلسلة رتب ورواتب جديدة يجب أن تسبقها إعادة هيكلة للقطاع العام. وهذه المطالبة مطروحة منذ العام 2017. ولا يكفي المسح الذي أجرته الحكومة إذا لم يُستكمَل بإعادة هيكلة وعدم ربط القطاعات ببعضها البعض. وبعد هذه الورشة في القطاع العام، نعود للبحث في إدارة رشيقة تطبِّق التحوّل الرقمي وعندها يمكن الكلام عن سلسلة رتب ورواتب جديدة”. واعتبر الحاج أن “التقديمات التي أعطيت على الرواتب لا تؤثر على الوضع النقدي لأنها في مجموعها خلال سنة تبقى ضمن السقوف المحددة في الموازنة. لكنها في أي حال لا تحل مشكلة ترهّل القطاع العام ولا تخلق إدارة مستدامة وفاعلة”.

“أما بما يخص القطاع الخاص فقد حسّن أجوره نسبيًّا، لكن مع استمرار مشكلة الإفصاح عنها للضمان، في حين أن الحد الأدنى إلى الآن هو 9 ملايين ليرة وهو رقم غير واقعي. وهذه مشكلة كبيرة لأنها تؤثر على تقديمات الضمان الاجتماعي للمضمونين وعلى تعويضات نهاية الخدمة وغيرها. لذلك فالأمر يلزمه علاج جذري ومستدام يضع كل الأمور على الطاولة. وهذا يتطلب حكومة فاعلة وهي غير موجودة، والمسألة ليست أيضًا في غياب التشريع فقط بل في غياب الرؤية”، يختم الحاج.

أما رئيس الإتحاد العمالي العام وعضو اللجنة التي درست موضوع الزيادات، بشارة الأسمر فقال لـ”المسيرة”: “في الواقع نحن بدأنا أثناء المداولات في اللجنة بمبلغ 1800 مليار ليرة شهريًّا، لكنها وصلت في النهاية إلى 2900 مليار، إنما بعد أخذ موافقة وزارة المال وحاكم مصرف لبنان، من حيث أن هذه الأموال متوفرة وأن الزيادات ستُدفع بالدولار لعدم ضخ كتلة نقدية كبيرة بالليرة يمكن أن تؤدي إلى رفع سعر الصرف”. وأكد نقلا عن مدير عام المالية جورج معراوي “أن الأموال متوفّرة والزيادات لن تؤثِّر على ثبات سعر صرف الدولار في السوق. وأن فتح أمانات السجل العقاري في المناطق والنافعة والعديد من المراكز والإدارات التي تؤمِّن مداخيل للخزينة سيشكِّل موردًا مهمًّا جدًّا لتغطية الزيادات”. ولفت أسمر إلى «أنَّ عدم إدخال هذه العلاوات في صلب الراتب يساعد في عدم تشكيلها ضغطًا كبيرًا لناحية تعويضات نهاية الخدمة، علمًا بأنَّ من الحق للموظف إدخالها في صلب الراتب لأن التعويضات أو المعاشات التقاعدية لم تعد تساوي شيئًا. ونحن نطالب بإقرار سلسلة رتب ورواتب جديدة تنصف الموظف وتؤمّن له العيش الكريم، لكن تحقيق ذلك يتطلب طبعًا استقرار الوضع في البلد وإعادة تكوين المؤسسات وانطلاق عجلة النمو. واعتبر أن أي علاج في ظل عدم الاستقرارين الأمني والسياسي يبقى مجرد مسكنات.

أما بالنسبة للقطاع الخاص فلفت إلى أنه “كان هناك بعض التعافي في العام 2023 ناتج عن تدفق السياح والمغتربين وتحريك الوضع الاقتصادي عمومًا. أمّا أحداث غزّة وانعكاسها على جنوب لبنان فأعادت الوضع الاقتصادي إلى الوراء. ونحن خلال تلك الفترة كنا في حوار دائم مع الهيئات الاقتصادية وأرباب العمل وتوصلنا إلى تصوّر مشترك لرفع الحد الأدنى للأجر بما يتلاءم مع التطور الذي حصل حينها على الاقتصاد وأتاح للبعض بأن يدفعوا قسمًا من الأجر بالدولار. وقد توصّلنا إلى الاتفاق على 18 مليونا، ونحن مستمرون بالمطالبة لأن ذلك لا يكفي، وتصوُّرنا هو 52 مليون ليرة بعد دراسة سلة متكاملة. لكن هذا الرقم غير قابل للتطبيق حاليًا لعدة عوامل، لذلك عرضنا الرفع التدريجي”.

 

المداخل وخطوات التصحيح

ثمّة من يقول أنَّ وقع الزيادات سيكون أقوى علينا من وقع سلسلة الرتب والرواتب التي أُقرّت في العام 2017، لأنه يومها كانت الليرة ثابتة ولم تكن هناك أزمة في البلد، وكان يمكن إصدار سندات خزينة ويوروبوندز على عكس الأوضاع اليوم. وإذا لم تجهد الدولة في زيادة التحصيلات وفق ما ورد في بنود الموازنة، فإنها ستصل حكمًا إلى حالة عجز، ومصرف لبنان، لا يمكنه أن يقوم بالمهمة إذا لم تتحسن العائدات المالية العامة. وهو أعلن أنه لن يُقدِم على إقراض الحكومة، ولا على تغطية أي عجز كما كان يحصل قبل آب 2023. ويأتي ذلك وسط إظهار المؤشرات الاقتصادية تراجعًا في نسبة النمو. ففي القطاع السياحي وحده، بلغت الخسائر في الأشهر الخمسة الماضية ما يزيد على ملياري دولار، بسبب الحرب في الجنوب، ومن جراء تفاقم الأزمة السياسية في الداخل.

في المقابل يشكك الخبراء بدقة الأرقام التي تم الاعتماد عليها لإقرار الزيادات الجديدة على الأجور، مشيرين إلى أن الحكومة ستلجأ للسحب من احتياطي الموازنة، الذي سيصبح صفرًا أو سالبًا، ما سيفقدها المرونة في الإنفاق خلال عام 2024، إذ عندها لن تكون قادرة على مواجهة أي طارئ. كما أن تغطية الزيادات من جيوب المواطنين عبر فرض ضرائب ورسوم جديدة تجعل من أية زيادة غير ذات قيمة، خصوصًا أن الضرائب والرسوم المفروضة قد أصبحت تُحتَسب على سعر السوق وهي مُنهكة للمواطنين.

لذلك يُجمِع الاقتصاديون على أن أية زيادة سيأكلها التضخم وأي حل ليس إلا موقتًا وغير فاعل لأنه يُدخِل الجميع في دوامة السباق بين الزيادات والتآكل. من هنا يُشدِّدون على ضرورة تفعيل الاقتصاد لخلق نسب نمو كافية، وهي بدورها تعود بالفائدة على الجميع خزينة وأرباب عمل وموظفين وعمّال. لكن المدخل الوحيد لتحفيز الاقتصاد وخلق النمو هو استقرار الوضع الأمني وسيادة الدولة على قرارها وانتظام فعلي للمؤسسات، وهذا لن يتم ما دام هناك سلاح خارج الدولة وقرار سائب وسيادة مسلوبة. وأن على من يريد بلوغ الكفاف والأمان المعيشي أن يستهدي إلى هذه المداخل عبر الإنتخابات النيابية، فربما يكون بخياره السليم قد خطا خطوة في مسار التصحيح!

“المسيرة” ـ العدد 1751

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل