
تأمّل اللبنانيون بانخفاض الأسعار في الأسواق بعد شهر رمضان وعيد الفطر إذ ترتفع الأسعار عادة في هذا الشهر، خصوصاً المواد الغذائية، نظراً لارتفاع الطلب عليها (اللحوم، الخضار، الحبوب، الحلويات وغيرها)، فضلاً عن استغلال معظم التجار لمواسم الأعياد المختلفة في لبنان بظل ضعف الرقابة فيجنحون نحو رفع الأسعار. لكن للأسف يبدو أن ارتفاع الأسعار في لبنان مستمر لأسباب عدة “موضوعية”، مع التشديد على أن جشع الكثير من التجار هو بمثابة “زيت على زيتون”، من ناحية سلبية طبعاً، بالنسبة لاستمرار ارتفاع الأسعار في لبنان من دون أفق منظور لوقف ذلك في مدى قريب.
الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين، يوضح في حديث إلى موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أن “الأسعار كلها ترتفع عالمياً، من السلع الغذائية (الزيوت، الحبوب، اللحوم، الأسماك، وغيرها)، إلى أسعار الشحن والتأمين على البضاع التي ارتفعت بنسبة 25%. بالتالي هذا الارتفاع العالمي في أسعار السلع ينعكس حكماً على لبنان، ككثير من البلدان، لكن خصوصاً أن لبنان يستورد معظم حاجياته الأساسية والغذائية”.
يضيف شمس الدين: “هناك نقطة أيضاً بالنسبة لاستمرار ارتفاع الأسعار في لبنان، تتعلق بالضرائب والرسوم الإضافية المفروضة والواردة في قانون موازنة العام 2024 التي أٌقرَّت والتي بدأنا نشعر بوطأتها كمواطنين ومستهلكين منذ أواخر شهر آذار الماضي، بالإضافة إلى جشع الكثير من التجار وانعدام الرقابة على الأسواق أو ضعفها الشديد في أفضل الأحوال. هذه هي الأسباب الأربعة التي تدفع إلى استمرار ارتفاع الأسعار في لبنان”.
على سبيل المثال، يتابع شمس الدين: “ارتفاع أسعار البنزين عالمياً يؤدي حُكماً إلى ارتفاع الأسعار لمختلف السلع والبضائع بسبب ارتفاع كلفة النقل والشحن. صفيحة البنزين في لبنان وصلت إلى مليون و800 ألف ليرة نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالمياً. مطلع العام الحالي في 2 كانون الثاني 2024 كان سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان مليون و498 ألف ليرة ووصل في 16 نيسان الحالي إلى مليون و767 ألف ليرة، أي بارتفاع 269 ألف ليرة ونسبته 18%، هذا ينعكس ارتفاعاً على كل الأسعار”.
شمس الدين يعرب عن أسفه، “لأن جشع قسم كبير من التجار وعدم وجود رقابة جدّية، يضاعف معاناة المواطنين من ارتفاع الأسعار في لبنان. على سبيل المثال، المزارع يسلّم اليوم كيلو الفول للتجار في السوق بـ20 أو 25 ألف ليرة بينما يباع في السوق والسوبرماركت والمحلات بأسعار تتراوح ما بين 75 ألفاً إلى 150 ألف ليرة وأكثر للمستهلك. بالتالي كم يربح التجار؟. قِس على ذلك كيلو الخيار، يباع في سوق الجملة بنحو 25 ألف ليرة من النوعية الممتازة، بينما في المحلات يبدأ سعره من 50 ألف ليرة وصولاً إلى 100 ألف ليرة. بالتالي المفارقة هنا، معظم التجار يرفعون الكلفة وهم جشعون إلى درجة أن أرباحهم تصل إلى حدود الـ300% لأن لا رقابة جدية”.
شمس الدين يلفت، إلى أن “الأسعار في لبنان لمختلف السلع والمنتوجات والخدمات، إما عادت إلى مستوياتها كما كانت بالنسبة لسعر الدولار قبل اندلاع الأزمة أو حتى أعلى، في حين إن الرواتب والأجور بالنسبة للدولار هي اليوم بمستوى 25% أو 50% في أفضل الشركات ممّا كانت عليه قبل الأزمة. هنا المفارقة، فالموظف الذي كان راتبه 1000 دولار على سبيل المثال قبل الأزمة، راتبه اليوم نحو 300 دولار وفي أحسن شركة هو 500 دولار، بينما أسعار مختلف السلع كما أشرنا. هذا بالإضافة إلى أقساط المدارس والطبابة وغيرها، كلها عادت على سعرها بالدولار قبل الأزمة إن لم يكن أكثر”.
من هنا، يشدد شمس الدين على أن”هناك هوّة كبيرة بين المسألتين والمواطن يعاني من ارتفاع الأسعار بشكل مضاعف. ربما باستثناء بعض الخدمات القليلة التي تقدمها الدولة والرسوم التي إذا احتسبناها على الدولار هي أقل ممّا كانت عليه قبل الأزمة. على سبيل المثال، اشتراك متر المياه المكعب سنوياً 13 مليون و270 ألف ليرة حالياً أي حوالى 150 دولاراً، بينما قبل الأزمة كان يساوي نحو 200 دولار. لكن سعر الكهرباء ارتفع وكذلك الاتصالات وغيرها من الخدمات والرسوم والضرائب”، معرباً عن أسفه “لأن لا بوادر على الخروج من هذه الهوة التي يعاني منها المواطنون قريباً ولا أفق لوقف استمرار ارتفاع الأسعار في لبنان بناء على الأسباب التي ذكرناها”.
