
نيسان آخر في ذاكرتنا الجماعية عن شعب انتُهكت محرّماته، فسُبيت نساؤه، وقُتل أطفاله وسيق رجاله كالماشية حفاة في سوقيات عُرفت باسم “سفربرلك” ليخدموا الجيش العثماني بأجسادهم وأرواحهم من دون أي مقابل.
نيسان جديد، وذاكرتنا متوقفة بين عامي 1895 و1915 وجحافل شهداء قُتلوا إما ذبحًا بحد السيف أو معلقين على أدوات حادة على مداخل قرانا ومدننا. أمّا الجثث التي أُلقيت في الأنهر وفي حفر، فكانت مشقوعة لتشهد على محلمة العصر!
هذه المجازر البربرية والدموية لم تنتهِ إلاّ بعد أن أُبيد شعب بمختلف مكوّناته، السريان في أنطاكيا قُتلوا، ذُبحوا وشُرّدوا، وارتُكبت المجازر بحق الأرمن في كيليكيا، وفُرض الحصار وتجويع الشعب في جبل لبنان. وعندما توقفت آلة القتل البشرية الهمجية والحاقدة، كانت الأرض منهوبة ومدمّرة بالكامل، والباقي رماد تفوح منه رائحة الدماء والعفن والموت من الغزاة الذين نفذوا أفظع الجرائم في التاريخ البشري القديم والحديث.
من قتل آباءنا وأجدادنا، أراد أن يشوِّه تاريخنا ويدنِّس كرامة أجدادنا ويدفن جذورنا، لكن فاته أن الأطفال الذين بقيوا أحياء، لم ينسوا ولم يسامحوا ما ارتُكب بحق آبائهم وأمهاتهم، هؤلاء الذين تم بقر بطون أمهاتهم وهم في أحضانهنّ ومنهم من رضع حليب أمه الشهيدة، والذين نجوا من هذه المجازر، كبروا وفي عيونهم مشهد قراهم ومدنهم المدمّرة والمنهوبة، والكنائس المحاصرة والشعب بداخلها وقد أحرقوها بمن فيها وهم أحياء. مشاهد لم تغِب من الذاكرة وتحديدًا ذاكرة الأطفال الذين عايشوها، وقد حفرت في عقولهم وقلوبهم، فشبّوا على هذه اللحظات وشابوا وهم يؤرخون هذا الإجرام الذي عاث في شعبهم ونحر آباءهم وأمهاتهم، هؤلاء الأطفال أصبحوا أجدادي وأباء وأعمام وأخوال والدي. ذكريات ومشاهد الصراخ والبكاء ومشاعر الخوف والموت وروائح الجثث المحترقة وتلك التي عفنت في الحفر، انتقلت بالذاكرة وسرت في بحر عروقي وشرايني والى أبناء الطائفة السريانية، وانتقلت الى أولادي وغدًا الى أحفادي كي لا ننسى أننا شعب اضطُهد لأجل إيمانه، وقُتِل لأنه رفض الكفر بصليبه، ذُبِحَ واغتُصبت نساؤه لأننا قررنا الموت واقفين على العيش خاضعين مطأطئي الرأس مذلولين. بالمباشر وبصوت عالٍ قلناها ونكرر، إنها أرضنا، إنه تاريخنا، إنها هويتنا، إنه وطننا وحيث يكون وطننا يكون قلبنا، وحيث يكون قلبنا نقاتل ونستشهد لينبض بالحرية والإيمان والحياة. أعرف أن خياراتي ليست ملكاً لي وليست نابعة من ذاتي بل من الدماء التي أحملها ووفاءً لشهادتها وعذاباتها ووجعها وصراخها، فلست أخاف بعد اليوم ولا أتردد. قناعاتي ليست وليدة صدفة أو تهوّر أو عاطفة جيّاشة، إنما هي لصيقة بكياني وبتاريخي وجذوري المتأصلة في هذه الأرض والممتزجة بها والمتصلة بكيانها وماضيها ومستقبلها، فإن تركتها إنما أعيش ذميّاً أينما كنت ولو كنت حراً، لأنني لن أكون أبداً حراً خارج هذه الأرض ومن دون هذه النضالات.
أُدرك وعن قناعة بأن التزامي في حزب “القوات اللبنانية” ليس غاية أو هدفاً أو وسيلة، إنما لأنه الوحيد المؤتمن على حاضر ومستقبل أولادي، وليس حكراً على فئة من الناس أو الطوائف، فهو يجسّد هذا الإرث الثقافي لكل مسيحيّي الشرق لأي إثنية أو قومية أو طائفة انتموا. وسواء خضعنا للتعذيب أو الاستشهاد، فالحياة ليست إلاّ مسيرة وعلينا أن نسيرها بشرف واستقامة، وإيمان وصلابة. فإما نكون أحرارًا أو خير لنا ألّا نكون.
إيلي شربشي ـ منسق منطقة بيروت
“المسيرة” ـ العدد 1751
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]