
لم تكن هيام مونس، تظن للحظة واحدة أن طفولتها السعيدة وبعض محطات صباها الجميلة، ستنقلب هكذا في ليلة وضحاها، رأسًا على عقب. لم تكن إبنة الشبانية تتخيل لثانية أنها ستخوض مع الأبطال محطات شرسة للدفاع عن لبنان، فتصبح هي البطلة في الساحات وعلى الجبهات. هيام مونس ليس اسمًا عابرًا في تاريخ نضالنا المشرّف، فمن خلف المتاريس حيث الخطر والألم والرحيل، الى جامعات العالم، نائبة رئيس، باحثة ومحاضرة أكاديمية.
لا تشبه قصة مونس ومسيرة حياتها ومصيرها، الكثير من قصص المناضلين. هي تجربة فريدة من نوعها لشابة لم تكن قد تجاوزت الـ17 عامًا، عندما وجدت نفسها في 13 نيسان من العام 1975، على خطوط التماس، وفيما بعد في النظاميات، الى جانب الرئيس بشير الجميّل، وفي مرحلة لاحقة في مخيم غوسطا مع الدكتور سمير جعجع. شخصية استثنائية؟ حتمًا. لا التحديات والنكسات أوقفتها ولا الظروف الصعبة نالت منها، إنما حوّلت السقوط الى بحث متواصل عن حرية الإنسان وكرامته في مساحة، تتخطى كل المساحات الجغرافية، رافعة لبنان فوق جبينها ومحافظة عليه كالطفل الصغير بين عينيها.
طفولتها السعيدة في عائلة كبيرة يسود فيها الحب والاحترام، كانت جواز سفرها الدائم، في المحطات النضالية كما في الجامعات العالمية. فهي التي نشأت في بيئة من القيم السامية، تحت شعار الحرية واحترام الآخر. شعرت بالخطر الكبير الذي يهدد قيمها هذه، فدفعها عنفوانها الى خوض المعارك والانخراط في المواجهات من أجل السلام والإنسان في لبنان. “بلحظة، شعرت أنني لم أعد تلك المراهقة، لم أتمكن من تخيّل وضع المقاومين الصعب وخطورة ما يعيشونه، فحسمت أمري واتخذت القرارات التي تجسد قناعاتي، كنت واثقة بأن نضالي هو لأجل حريتي وحرية المجتمع اللبناني، إذ لا يمكن أن يغيب عن بالي، لا بل عن بالنا تاريخ أجدادنا الذي ناضلوا وضحوا ليتركوا لنا بلدًا تصان فيه الحريات”، تقول مونس لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني.
تتذكر كم أثّرت فيها التظاهرات التي كانت تقوم بها عناصر من المنظمات الفلسطينية، وما كان يرافقها من مظاهر استفزازية شكلًا ومضمونًا أمام مدرستها في ثانوية فرن الشباك. “عشت تناقضًا كبيرًا بين الحزن والخوف من جهة، وبين واقعنا كطلاب مسالمين تستفزنا العناصر المسلحة وتستعرض أمامنا مهددة سلامنا وسلامتنا”، تقول مونس، التي تتابع: “لم يكن أحد منا يملك موهبة حمل العتاد، وبدأنا ننخرط في الدفاع عن لبنان، بمعدات ندفع ثمنها بأنفسنا. طلاب جامعيون، ومن بينهم شقيقي، رموا بأنفسهم في النار والتزموا بالدفاع عن لبنان. وجدت منذ اليوم الأول لاندلاع المواجهات، أن شخصيتي وقدراتي الجسدية ومعتقداتي الوطنية، تفوقت عليّ كفتاة، لا سيما وأن أهلي لم يفرقوا يومًا في تربيتنا، بين ذكور وإناث”.
مونس، هذه الشابة الرياضية التي كانت تمارس الفنون القتالية والـTennis والـPing pong، وجدت سهولة جسدية في تحمل أعباء المواجهات العسكرية، وهي التي كانت قد التزمت منذ العام 1974 بحزب الكتائب وبالتدريب، كصبية وحيدة في مجموعة لا تضم إلا رفاقًا شبّان، لكنها تمكنت من إقناع بشير الجميّل بضرورة فتح ثكنة عسكرية للفتيات… وهذا ما حصل، إذ باتت مدربة لكثيرات أتين من عدد كبير من مناطق جبل لبنان، حتى أنها درّبت شبانًا في كثير من الأحيان.
محطات كثيرة طبعت ذاكرة مونس، قد تكون أقساها اللحظات الأولى لاندلاع شرارة المواجهات في ذاك النيسان من العام 1975، إضافة الى سقوط واحد من أوائل الشهداء الى جانبها، لا بل بين يديها، الكابتين الفرنسي فرنسوا بوريلا، الذي أصيب واستشهد على سطح إحدى البنايات القريبة من الصيفي في بيروت. سقوط بوريلا طبع في وجدان مونس التي ربطت فكرة وقوف هذا الكابيتين الفرنسي الى جانب لبنان وشعبه، بضرورة مشاركتها في المواجهات. الصدمة الثانية كانت بسقوط جوزيف أبو جودة شهيدًا أيضًا، وهو أول قصة حب في حياتها.
لمونس تجارب حفرت بوجدانها كما في ذاكرتها. قادت دبابة عسكرية في إحدى مواجهات عاريا، ولم تكن قد وطأت قدمها هذه اللآلة من قبل، كل ما في الأمر أن ابن خالتها شرح لها في إحدى المرات، وبطريقة سريعة وساذجة كيفية عمل هذه الآلية العسكرية، وأثناء زيارة شقيقتها في عاريا، حصلت ليلًا مواجهة كبيرة، فوجدت نفسها تقود الدبابة، فيما الرفاق الذين راحوا يخاطبونها بلغة المذكر، دُهشوا عندما تعرفوا الى هويتها فيما بعد.
لم يقف كل هذا الانخراط في المواجهات وكل هذه المحطات النضالية العسكرية عائقًا، أمام الهدف الآخر لمونس. صحيح أن “طوارئ 13 نيسان” وما تلاها حتّم على الصبية العشرينية سلوك طريق النضال، إلا أنه لم يخفِ بريق إصرارها على التحصيل الجامعي، ساعدها في ذلك جو العائلة الذي يقدس العلم ويضعه في سلم الأولويات. تسجلت في العام 1979، في الجامعة اللبنانية كلية الحقوق والعلوم السياسية والإدارية في جل الديب، وتمكنت، من التنسيق بين واجباتها كمقاومة، وواجباتها كطالبة، فازداد تعلّقها بدراستها. ما استفزها أكثر، إلقاء إحدى الشخصيات الحزبية محاضرة جامعية خرج منها بخلاصة مفادها، “أنتم نخبة المستقبل، وكي تتمكنوا من إدارة لبنان في المستقبل، هناك اليوم من يدافع عنكم”.
رفضت مونس هذه المقاربة، خصوصًا أنها كانت تضع حياتها على كف الموت على خطوط التماس، مع كثيرات وكثيرين، فحزمت أمرها ورسمت حياتها بشقيها النضالي والجامعي. “عندما حملت السلاح، لم أفعل ذلك فقط من أجل الآخرين، إنما من أجل حريتي، وقررت متابعة تحصيلي الجامعي مع إصراري على البقاء في ساحات الدفاع عن لبنان”، تجزم مونس.
في العام 1983، حازت على إجازة في الحقوق، بعدها وحتى العام 1989، عملت مستشارة قانونية في وزارة الاتصالات، لكن فكرة إكمال الدراسات العليا لم تغب عن بالها. وفي فرنسا، بعد سنوات، كان ما كان!
“مع اغتيال بشير الجميّل، تحطمت آمال اللبنانيين. كان حدثًا مأسويًا ولا يزال حتى الساعة”، تقول مونس. إلا أن هذه المصيبة لم تبعدها عن القضية، فقد شاركت في الحوارات مع المكتب السياسي عقب الاغتيال، وهناك التقت بسمير جعجع، الذي اجتمع اليها بعد فترة من لقائهما الأول في المجلس الحربي، حيث اقترحت عليه تأسيس “مخيم الأساس الأول” لأطفال كل المناطق المسيحية، لا سيما في جبل لبنان، وهذا ما حصل. عملت مونس مدة طويلة في مخيم غوسطا، قبل أن تبدأ الأمور بالتدهور والانهيار في العام 1989، يوم أعلن ميشال عون حرب الإلغاء.
“خضعنا للتحقيق والسجن، عندها فهمت أنه لم يبقَ أي أمل، وكان ابني قد بلغ الـ9 سنوات، فشعرت أنني أضرب السيف بالماء، وانني أعرضه للخطر”، تؤكد مونس التي وجدت نفسها في لحظة انكسار تتخلى عن كل شيء. “لم أحضّر لسفري، أخذت ما هو ضروري والمعجم الفرنسي Larousse، ورحلت لإكمال المشوار”.
في تولوز، تسجلت مونس في الدراسات العليا في “جامعة Toulouse capitol”، وحصلت على شهادتها في عام واحد. كانت تطوي الليالي محاولة إتقان اللغة والقانون الفرنسيين. الهدف الأساسي حينها، كان الحاجة الى تأمين معيشتها بعدما بدأت من الصفر. بعدها عملت في مكتب دراسات وأعدت أطروحتها التي تزامنت مع توقيع اتفاق الطاف، لتصبح في مرحلة لاحقة محاضرة جامعية في القانون العام وإدارة الأبحاث، ومدرسة باحثة، تحاضر في الصفوف الأولى والثانية والثالثة في الحقوق، كما في الصف الأول دراسات عليا، في مادتي القانون الدستوري والقانون الإداري.
مجال الأبحاث فتح شهية مونس، إذ أسست مركز دراسات موريس أوريو وهي تعمل على الأبحاث التي تخصّ الحريات العامة، كما على مواضيع تتعلق بلبنان وبمبدأ العلمانية. شغلت لمدة 12 عامًا منصب نائب مدير جامعة تولوز، وهي اليوم عضو في المجلس الإداري للجامعة. كتبت عن اتفاق الطائف (اتفاق الطائف من الجمهورية الأولى الى الجمهورية الثانية، الذي نشر في العام 2011)، وعن العلمانية والديمقراطية (العلمانية والديمقراطية الذي نشر في العام 2016، العلمانية في العمل والتطبيق ونشر في العام 2017 والإقليمية العلمانية الذي خرج الى النور في العام2018).
منصبها كنائبة لرئيس جامعة تولوز مكّنها من وضع آلية أطلقت عليها اسم الـ antene، حرصت من خلالها على إيجاد أطر علمية لتأسيس أفضل الطلاب. إضافة الى كل ما تقدم، تمثل مونس جامعة تولوز كابيتول، من ضمن فريق عمل ضخم تابع لوزارة العدل الفرنسية، مهمته إعداد تقرير حول القبول الاجتماعي لتقييد الحريات في سياق جائحة كوفيد 19.
تضع هيام مونس كل طاقتها لكي تعيد الى فرنسا ما أعطتها إياه، وهي اليوم مدافعة أساسية عن قيم الجمهورية الفرنسية، مترجمة ذلك في عملها كمدرسة جامعية مع طلابها كما في المحاضرات التي تلقيها.
لبنان شغفها وجنتها ترفعه عاليًا على طريقتها: “أكرم لبنان في يومياتي كمواطنة تحترم الجمهورية الفرنسية وقوانينها، وفي علاقاتي مع الآخرين. تصرفي في فرنسا شبيه بما كان سيكون عليه في لبنان. لم أنس يومًا وأنا المواطنة الفرنسية اليوم، جذوري، لأن الإرث الذي نحمله عن لبنان مسؤولية كبيرة، علينا احترامها”، تجزم مونس التي ترفض أن تكون الحرب غيرت من شخصيتها. فبالنسبة إليها، الحرب لا تغير الأشخاص إنما تكشفهم، “الحرب أكدت على شخصيتي وصقلتني بالمعرفة والإصرار على عدم قبول أي شكل من أشكال الظلم”.
هيام مونس، الأم والجدة لـ4 أطفال والباحثة والمحاضرة الجامعية والمناضلة، لم تندم للحظة أنها كانت في ساحات الوغى، لأن تلك الحياة فرضت عليّها، بعدما اعتبرتها الطريقة الأنسب لخدمة بلدها. “لو عاد بي الزمن الى الظروف نفسها، أعيد التجربة نفسها، على الرغم من أنها ليست الحياة التي اخترتها أو أردتها. هذه محطة مشرفة في حياتي. عندما أنظر في المرآة، أقول أنا فخورة لأنني دافعت عن بلدي، ولم أهرب وبقيت في خدمة لبنان واللبنانيين”، تختم مونس الذي يطغى حنينها الى لبنان على كل شيء في حياتها… بغض النظر عن المسافات.
