موقف “القوات اللبنانية” من الإبادة الأرمنية.. “إنسان واحد في كل زمان ومكان”

حجم الخط

يُصادف الرابع والعشرون من نيسان الحالي، الذكرى السنوية الـ109 للإبادة الأرمنية. وهي الإبادة التي نفذتها السلطنة العثمانية بحق مئات آلاف الأرمن عام 1915 والعام الذي تلاه.

يُشير تعبير “الإبادة الأرمنية” الى سلسلة من عمليات القتل الجماعية، والفردية، كما الترحيل الممنهج، الذي نفذته السلطنة العثمانية بحق الأرمن في مختلف مناطق السلطنة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. وعلى الرغم من اختلاف آراء الأرمن والأتراك حول دوافع عمليات القتل وأعداد الضحايا، إلا أن الثابت يبقى أن الأرمن قد دفعوا، ككثير من الأقليات الدينية والعرقية الأخرى كالسريان والأشوريين والكلدان، أثمانًا باهظة بسبب سياسات الحكم العثماني.

على الرغم من أن وهج القضية الأرمنية قد شهد تراجعًا كبيرًا في فترة سيطرة الاتحاد السوفياتي على أرمينيا (1920-1990)، إلا أنها تلقى اليوم، وبشكل متزايد، تعاطفًا دوليًا ومحليًا. غير أن القضية الأرمنية، لا تنحصر في شق الاعتراف بالإبادة حصرًا، إنما تتعداه إلى بناء دولة أرمينيا التاريخية والتعويض التركي المادي والمعنوي، عن أعمال الإبادة.

يتمثل التعاطف والتأييد الدوليين باعتراف عشرات الدول بالإبادة الأرمنية، مع ما يترتب عن ذلك من عقوبات على تركيا، الدولة الوريثة للسلطنة العثمانية. أما محليًا، فبعض الأحزاب والقوى الفاعلة في الدول تتعاطف أخلاقيًا، وتناصر سياسيًا القضية الأرمنية، وتساعد على إبقاء شعلتها مضاءة. ومنهم حزب “القوات اللبنانية”، الذي لديه موقف حازم تجاه الإبادة الأرمنية، وموقف متعاطف مع الأرمن ومجمل الأقليات السريانة والأشورية والكلدانية تبعًا لما يراه الحزب من واجب أخلاقي تجاه كل مظلوم، مهما اختلفت جنسيته، دينه، أو عرقه…

 

الإبادة في رواياتَي الأتراك والأرمن

يقدم الأتراك والأرمن روايتين مختلفتين جدًا حول عمليات القتل التي حدثت بحق الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى.

تقول الرواية التركية إن ما جرى للأرمن خلال الحرب العالمية الأولى هو بمثابة مأساة وليس إبادة، ويعتبرون أن الميل الأرمني للانشقاق عن السلطنة العثمانية وتهديد وحدة أراضيها كان سببًا أساسيًا في بروز مشاعر العداء بين الأرمن والأتراك. ثم كانت الحرب بين روسيا القيصرية والسلطنة العثمانية عامي 1914-1915، حيث راح الأرمن، بحسب الرواية التركية، يناصرون الجيش الروسي، ويقاتل بعضهم في صفوفه.

رغبة منها بقطع العلاقة الروسية – الأرمنية من ناحية، وحماية الأرمن من ناحية أخرى، قامت السلطنة العثمانية بنقل مئات الآلاف منهم بعيدًا عن جبهات القتال. فيما عمليات القتل التي مورست بحق الأرمن نفذها قطّاع الطرق وبعض الفرق العسكرية الحميدية (نسبة إلى السلطان عبد الحميد) غير المنضبطة. فلم تكن عمليات القتل، بحسب الرواية التركية ممنهجة أو مقصودة، أو تنم عن نية حقيقية بإبادة شعب تبعًا لعرقه أو دينه. أما أعداد “ضحايا المأساة” فلم تبلغ، بحسبهم، أكثر من 300 ألف من الأرمن (1).

من ناحية أخرى، تختلف الرواية الأرمنية جذريًا عن تلك التركية، وتقول إن الحكم العثماني، خلال الحرب العالمية الأولى، اجتاحته الأفكار القومية، والطورانية تحديدًا، وهي أفكار تقول بأن العنصر التركي يجب أن يحظى بدولة قومية نقية عرقيًا، فوجب، بالتالي، التخلّص من العناصر غير التركية، ومنهم الأرمن، فكانت الإبادة نابعة عن نية وقرار سياسي بالقيام بها، والتخلّص من الأرمن لتشكيل دولة جديدة على أساس قومي.

يركن الأرمن إلى سلسلة من الوثائق التاريخية التي تؤكد وجود نية لدى الحكم العثماني بالقضاء عليهم، حيث تم قتل مئات من الشخصيات الأرمنية المرموقة في اسطنبول والمدن الأخرى، كما عشرات الآلاف في قراهم في الأناضول، وبضعة مئات من الآلاف بعد ترحيلهم من أماكن سكنهم. أما أعداد ضحايا الإبادة، فتلامس، بحدها الأقصى المليون ونصف المليون بحسب الرواية الأرمنية.

يشكل الاختلاف حول تصنيف ما جرى خلال العام 1915 لبّ الخلاف الأرمني – التركي، وذلك لأن التصنيف يكون له مفاعيل قانونية على الصعيد الدولي. إن الإبادة تقتضي، قانونيًا، العقوبات على مفتعليها والتعويض على المتضررين، بينما المأساة لا تقتضي الكثير في المجال القانوني، لذلك يُصرّ الأتراك على عكس الأرمن، بتصنيفها بالمأساة وليس بالإبادة.

 

واقع وأهمية الاعتراف بالإبادة

حتى بداية العام 2022، اعترفت 31 دولة بالإبادة الأرمنية (2)، ويعود ذلك إلى عمل الجاليات الأرمنية في دول الانتشار لتحقيق ذلك. من هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية وعدد كبير من دول أوروبا وبعض دول أميركا اللاتينية، ودول عربية أخرى كسوريا ولبنان، إلا أن اعتراف هذه الدول بالإبادة لا يعني، بحكم الضرورة، تجريم من ينكرها.

تبقى الإبادة في الكثير من الدول “وجهة نظر”، حيث يمكن لأي فرد نكران حدوثها، أو تقديم رواية وتفسير آخر لأسبابها ونتائجها. ففي لبنان مثلًا، اعترفت الدولة اللبنانية بالإبادة الأرمنية في توصية أصدرها البرلمان في 17 أيار عام 2000 (3)، إلا أنها لم تمنع، كما بعض الدول الأخرى، نكرانها من قبل الأفراد أو الجماعات أو المنظمات.

يهدف الأرمن من وراء تحقيق اعتراف دول العالم بالإبادة، الضغط على تركيا للاعتراف بها. كما تعزيز المطالبة بالتعويض عن الإبادة، أكان ماديًا على أحفاد الضحايا، أم عبر استعادة الأراضي التي كان يسكنها الأرمن شرق تركيا الحالية، والتي هُجِّروا منها خلال الحرب العالمية الأولى.

 

موقف “القوات اللبنانية” من الإبادة الأرمنية

يلتزم حزب “القوات اللبنانية” بـ”الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”، ويؤمن بضرورة صون حقوق جميع الأفراد والجماعات مهما اختلفت أديانهم وأعراقهم وأجناسهم ولغاتهم، وقد أكد على هذا الالتزام في شرعته السياسية الصادرة عام 2012.

ولأن الإنسان وحريته وكرامته من صلب إيمان حزب “القوات اللبنانية”، فإن موقفه الطبيعي المتلائم مع فكره السياسي، لا يمكن أن يكون إلا مع القضية الأرمنية، ويعترف بالإبادة بوصفها جريمة تستأهل العقاب لمرتكبيها والتعويض على ضحاياها. بحسب رئيس الحزب سمير جعجع “إن القضية الأرمنية التي تلاقي المزيد من التعاطف والتفهم في العالم، ستبقى دائمًا شعلة لا تنطفئ، بما تختزن من عبر تستنير بها وتدعو كل سلطة إلى التعلّم من دروسها، كي لا تذهب تضحيات الشهداء سدى، وبخاصة أنهم سقطوا نساء وأطفالًا وشيبًا وشبابًا شهداء الإيمان والحرية والحق بالحياة الكريمة… ومن البديهي أن نقدّر غاليًا شهاداتهم، لأننا ننتمي أيضًا إلى مدرسة نضالية حافلة بالشهادة من أجل لبنان، الذي كان وسيبقى موئلا للحرية والتنوع (4)”.

على الرغم من أولوية لبنان في فكر وممارسة حزب “القوات اللبنانية”، إلا أن التعاطف والتأييد لأصحاب الحق هو من أسمى المهمات والقضايا التي تهتم “القوات اللبنانية” بها. يمكن، ضمن هذا الإطار، فهم قول رئيس الحزب سمير جعجع الدائم “إنسان واحد، قضية واحدة، في كل زمان ومكان”. وعليه، فإن الحدود الجغرافية بين لبنان وأرمينيا، أو بين واقع لبنان اليوم وواقع أرمن العالم، لا يعني تجاهل قضية محقة لشعب مظلوم، لا يريد إلا التعويض القانوني، المعنوي والمادي، عما حلّ به.

لحزب “القوات اللبنانية” علاقات إيجابية قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون البنّاء مع الأحزاب الأرمنية كما مع الكنائس الأرمنية ومجمل أرمن لبنان، فيما يضم الحزب بضعة مئات الأفراد من أصول أرمنية، ولبعضهم مراكز مرموقة في هيكلية الحزب، ناهيك عن مئات الأرمن اللبنانيين الذي خاضوا غمار المقاومة في صفوف “القوات اللبنانية” واستشهدوا دفاعًا عن لبنان وعن كل إنسان مظلوم.

كما يدعم حزب “القوات اللبنانية” القضية الأرمنية ويعتبرها قضية عالمية عابرة للجغرافيا، وهو يؤمن، كذلك، بضرورة تحقيق العدالة وإعادة الحق للشعب الأرمني. كما يندّد بالتساهل الدولي في تحقيق العدالة، وهو الأمر الذي يشجع الطغاة على الإمعان في جرائمهم، من دون خشية من العقاب.

يعتبر حزب “القوات اللبنانية” أن المقاومة من أجل الحرية والبقاء هي نقاط مشتركة بينه وبين الأرمن والسريان والأشوريين والكلدان، الذين جمعتهم قضية واحدة هي الحفاظ على الوجود والبقاء والإيمان والحرية. كما يؤمن بأن دماء الشهداء وحّدت الشعوب هذه في المعاناة والوجدان والاستشهاد، ووحّدت إحساسها بالمصير المشترك وقرّبت المسافات بينها.

دأب حزب “القوات اللبنانية” على إحياء الذكرى السنوية للإبادة الأرمنية في مقرّه العام في معراب، وهو إحياء يتخطى السياسة ومصالحها الضيّقة، ويفتح آفاقًا جديدة أبعد من الشؤون الصغيرة والمحلية. في هذا الإحياء الذي يشمل الإضاءة على معاناة الأرمن، حقوقهم التاريخية والجماعية كشعب وثقافتهم الفنية، يكرّر رئيس الحزب مطلبه بإنصاف القضية الأرمنية، تحقيق العدالة لهم ومعاقبة الذين سبّبوها.

تبقى الإبادة الأرمنية واحدة من جراح العالم الأكثر قساوة في القرن الماضي، وهي جرح لا بد أن يندمل يومًا فيُعطي كل شعب مظلوم حقه، مبتغاه والعدالة التي ينشدها.

هامش:

1 ـ جو حمورة، التربية على النكران: «الإبادة الأرمنية» في الأدبيات التركية، المفكرة القانونية، 23 نيسان 2015.

2 – Armenian Genocide, «Countries that Recognize the Armenian Genocide, 2022.

3 –  Armenian national Committee of America, «Lebanon-Armenian Genocide Recognition», 2000.

4 ـ من كلمة ألقاها رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع في المقر العام للحزب في معراب، في 23 نيسان 2020.

مكتب الأبحاث ـ دائرة الإعداد والتدريب ـ جهاز التنشئة السياسية ـ حزب “القوات اللبنانية”

 

“المسيرة”ـ العدد 1751

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل