#dfp #adsense

جمهورية الشغور والتمديد والممانعة الى الزوال الحتمي

حجم الخط

أرست الممانعة ممارسة سياسية تتناقض مع الأسس التي قامت عليها الجمهورية اللبنانية. الانتخابات الرئاسية لا تحصل وفقًا للنص الدستوري بالمشاركة في جلسة مفتوحة بدورات متتالية حتى انتخاب رئيس، إنما يتواصل الشغور فصولًا إلى أن توافق الممانعة على مرشّح معيّن. تأليف الحكومات يستمر لشهور حتى تعطي الممانعة موافقتها، وهذا ما جعل هذه الحكومات فاشلة ومكبّلة وعاجزة عن الإنجاز.

الانتخابات البلدية من تمديد إلى تمديد حرصًا على وحدة صفوف الثنائي الحزبي الشيعي الذي يخشى أن يتواجه “الحزب” مع حركة “أمل”، والحزب والحركة مع العشائر والعائلات من جهة، والمجتمع المدني الشيعي من جهة أخرى، وهذا فضلًا عن أن “التيار الوطني الحر” لا يريد هذه الانتخابات بسبب شعبيته المتراجعة كثيرًا وغياب الرافعة الشيعية له في عدد كبير من البلديات.

الحدود من البديهي أن تكون سائبة كون الممانعة تعتبر الحدود من صناعة الاستعمار، وبالتالي هي مصطنعة وتعمل على إلغائها في سياق مشروع ولاية الفقيه ووحدة الساحات. الجيش والقوى الأمنية وظيفتهما، بمفهوم الممانعة، ضبط الأمن غب الطلب ومكافحة الجريمة المأذون بها، ولا علاقة لهما بالحدود والدفاع عن الأرض. السياسة الخارجية يجب أن تعبِّر عن سياسة المحور ومركزها طهران، لأن لا سياسة خارجية للفروع والأذرع. قرار الحرب بيد المحور الإيراني ولا شأن للدولة اللبنانية به. القضاء لا يستطيع تجاوز الحدود المرسومة له، فلا هو قادر على التحقيق في اغتيال ولا في تفجير، على غرار تفجير المرفأ، ولا في أي ملف يتعلّق بالممانعة. القطاع العام بمعظمه مساحة للمحسوبيات لمن هم في محور الممانعة. المالية لتمويل الدويلة، وهكذا دواليك…

لم يسبق أن شهدت الجمهورية اللبنانية هذا الانحدار في الممارسة الدستورية، وإذا كانت حقبة الحرب إسم على مسمّى، وحقبة الاحتلال السوري إسم على مسمّى أيضًا، فإن الحقبة الممتدة منذ العام 2005 إلى اليوم هي أسوأ ما شهده لبنان في تاريخه، لأن الصراع في هذه الحقبة هو مواجهة مباشرة مع فريق لبناني على رغم تبعيته الإيرانية، باعتبار أنه في الحقبتين السابقتين كانت المواجهة مرة مع الثورة الفلسطينية وأخرى مع النظام السوري، فيما المواجهة هذه المرة مع فريق لبناني يشكل جزءًا لا يتجزأ من مشروع إيراني توسعي.

وكان من البديهي القول إنه يستحيل بناء الدولة في ظل دويلة فلسطينية، وبالتالي لا بد من إخراج الثورة الفلسطينية من لبنان، أو يستحيل بناء الدولة في ظل احتلال سوري، ولا بدّ من إخراج الجيش السوري من لبنان. والمؤسف أن ما ينطبق على الثورة والاحتلال ينسحب على “الحزب” لجهة استحالة بناء دولة فعلية معه، ولكن هل يمكن إخراج الحزب من لبنان؟ بالتأكيد كلا، وبالتالي ما العمل إذا؟

ما ينطبق على ترحيل الجسم الفلسطيني المسلّح والجيش السوري لا ينسحب على “الحزب” على رغم عدم اختلاف دوره عن دورهما في ضرب السيادة وتحويل الوطن ساحة ومصادرة قرار الدولة. فالحزب يشكل استمرارًا للمشاريع التخريبية لمشروع الدولة في لبنان، والفارق الوحيد أنه لا يمكن، ولا أحد يطرح أيضًا، ترحيله من البلد كونه جزءًا من هذا الشعب، وهذا المعطى هو العنصر الجديد الذي أدخلته الثورة الإيرانية التي لا تحتل الدول العربية مباشرة، إنما تخترقها من خلال إنشاء وتدريب وتسليح وتمويل منظمات من أهل البلد تكون تبعيتها لها بالمطلق، وبواسطتها تضع يدها على هذه الدول.

وقد جرّبت القوى السيادية كل شيء مع “الحزب”، ولكن “فالج ما تعالج”، فلم يتراجع قيد أنملة عن مشروع إلحاق لبنان بإيران، ومشاريع من هذا القبيل لا تقبل أنصاف الحلول، إنما تريد تحويل كل لبنان إلى ساحة من ساحاتها، وهذا المشروع يتقدّم ويتراجع تبعًا لتقدمه وتراجعه في المنطقة بدءًا من المركز في طهران.

وقد استفاد المشروع الإيراني من “قبة الباط” الأميركية على أثر أحداث 11 أيلول 2001، وفتح إسقاط نظام الرئيس صدام حسين أمامه أبواب المنطقة على مصراعيها، وتكفي مقارنة وضعه قبل أحداث 11 أيلول وبعدها، وهذا يؤكد أن تقدمه أو انحساره يرتبط بوضعيته الدولية والإقليمية، إذ بقدر ما يتم التغاضي عنه أميركيا، بقدر ما يتمدّد ويتوسّع، وبقدر ما تتم محاصرته ومواجهته، بقدر ما ينكفئ ويتراجع.

وما تقدّم يؤكد أنه لا يوجد نهائيات في الزمن الطويل والتاريخ، والثابتة الوحيدة تكمن في صمود الشعوب من أجل أن تتمكن من اجتياز الصعوبات والمحن والمخاطر الوجودية، وجلّ ما هو مطلوب من اللبنانيين في هذه المرحلة هو الصمود ومنع الممانعة من وضع يدها على لبنان بشكل كامل، وهذا ما تفعله بنجاح برفضها التسليم بالأمر الواقع، وإصرارها على اعتبار ما تقوم به الممانعة هو عمل انقلابي على الجمهورية ودستورها، ونجاحها بفرض ميزان قوى نيابي ورئاسي ووطني وسياسي.

فالمشروع الممانع الذي يرتوي من الثورة الإيرانية يستفيد فقط من غض النظر الأميركي، لأنه لا يلقى أي تأييد من أي مكوّن خارجه في أي بلد يتمدّد داخله، وخصوصًا أنه لم يقدِّم أي تجربة ناجحة لا في الدولة الأم إيران ولا في اليمن ولا في العراق ولا في لبنان، إنما المشترك في هذه الدول التي تحولت إلى ساحات ضمن مشروع وحدة الساحات هو الفوضى وعدم الاستقرار.

فالمعطى الأساسي إذًا هو أن المشروع الإيراني تمدّد وتوسّع بسبب غض النظر الأميركي، وهذا يعني أن تمدُّده ليس ثابتًا ولا نهائيًا، إنما يتعلّق بالسياسة الأميركية واتجاهاتها، أي في اللحظة التي تتخلّى فيها عن سياسة غض النظر ينتقل المشروع الإيراني فورًا من المدّ إلى الجزر.

ومن الواضح أن أحداث 7 تشرين الأول 2023 التي أحدثت زلزالًا في الشرق الأوسط على غرار أحداث 11 أيلول 2001، لن تنتهي مفاعيلها قبل انتهاء الدور الإيراني في المنطقة، وستجد القيادة الإيرانية بعد سنوات نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الخروج من المنطقة والعودة إلى داخل حدودها، أو سقوط نظامها.

والضعف التكويني للمشروع الإيراني أنه لم يقدِّم لشعوب هذه المنطقة تجربة ناجحة يُحتذى بها، ما ولّد نقمة واسعة من جراء الحروب والموت والقتل والفساد وعدم الاستقرار وتحوّل المواطن إلى رقم من دون قيمة وبلا حرية ومغلوب على أمره، وهذا النوع من المشاريع في زمن الحداثة والتطور والتكنولوجيا حياته أساسًا قصيرة، وكيف بالحري بعد أحداث “طوفان الأقصى” التي ستنهي المد الإيراني ويبدأ بالجزر التدريجي.

وبالانتظار الذي قد يستغرق عدة سنوات يجب مواصلة المزيد من الشيء نفسه، أي الصمود والمواجهة السياسية، وفي اللحظة التي يضعف فيها المركز الإيراني يضعف تلقائيًا فرعه في لبنان، لينطلق بعدها مسار بناء الجمهورية التي هدمتها الممانعة.

فالجمهورية التي أرستها الممانعة تختلف جذريًا عن الجمهورية التي استقلّت عن فرنسا في العام 1943 وشكلت نموذجًا بدستورها ومدنيتها وديموقراطيتها وحداثتها، ولكن جمهورية الممانعة التي أساءت إلى صورة لبنان والشعب اللبناني تتجّه إلى الزوال الحتمي، والجمهورية اللبنانية تتجِّه إلى الانبعاث من جديد.

إقرأ أيضًا
إقرأ أيضًا

شارل جبور ـ رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”

 

“المسيرة” ـ العدد 1752

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل