Site icon Lebanese Forces Official Website

ذكرى رحيل البطريرك اسطفان الدويهي

لا يمكن أن يمرّ يومًا من دون أن نتذكّر ونصلّي للطوباوي البطريرك اسطفان الدويهي السائر على طريق القداسة، ونستحضر دائمًا وجوهه المنوّعة المباركة: المعلّم والعالم، طالب القداسة والماروني القائل بدور مميّز للبنان، لكن في هذا اليوم أي ذكرى رحيله، أردنا القاء الضوء على الوجه الثقافي والعلمي المنير.

أخذ العلم من حياة الدويهي وقتًا طويلًا: من مدرسة روما إلى معلّم تحت السنديانة يلقّن التلامذة التراث الليتورجي واللاهوتي، وكل ما نهله من ثقافة في أوروبا، فخرّج أجيالًا منتقلًا بها من ظلام الجهل والإهمال إلى نور العلم والمعرفة.

سهر الدويهي كثيرًا على مطالعة عشرات بل مئات الكتب والمخطوطات، ينقّب على ضوء الشموع بين الكلمات، ثم ينقّح الكتب الطقسية ليعيدها إلى أصالتها، كما نقّح كتب الرتب الدينية والنوافير والأسرار والأعياد والجنازات، وجمع كتب الصلوات بعد تنقيحها. وبلغ ذروة التعمّق والاستنارة من خلال تأليفه كتاب “منارة الأقداس” الذي قارن فيه التاريخ واللاهوت والليتورجيا بين الطقوس الشرقية والغربية، وهو كتابه الأهم في المجال الديني العام.

لم يكتفِ البطريرك المنوّر بذلك، أنما كتب، على مراحل، كتاب “سلسلة بطاركة الطائفة المارونية” و”سجل الدويهي” الذي يشمل البراءات البابوية المرسلة إلى الموارنة، و”كتاب المحاماة” في ثلاثة أجزاء.

ولا شك في أنه برع في التأريخ، باحثًا ومدققًا في تاريخ الشرق كله في حينها، فكان كتابه الشهير “تاريخ الأزمنة” الذي يتناول تاريخ الشرق بأسره.  إضافة إلى كتب أخرى منها: “مقدَّمو بشرّي” (1382-1690) و”تاریخ المدرسة المارونية في روما” وغيرها.

يعود الفضل إلى الدويهي في تأريخ محطات مجيدة من تاريخ الموارنة، ولا يزال الباحثون ورواد العلم والثقافة ينهلون من معلوماته الدقيقة في هذا المجال، وهو امتلك كل مقوّمات هذا النجاح. لقد استوعب أولًا العلم الذي تلقنه في روما، ولا سيما من حيث منهجيته، ثم استوعب تراث كنيسته بالرجوع إلى ينابيعه الأصلية. وهكذا، استطاع أن يفسّر هذا التراث ببراعة وبأسلوب شخصي أصيل، بحيث يترك من يقرأ له مندهشًا أمام غزارة علمه ومعرفته وقدرته على التعبير الدقيق عما يعرف.

سيبقى “الدويهي” فخرًا للطائفة المارونية ولبنان، بل وجه من الوجوه المنوّرة التي تبعث الحياة أمس واليوم وغدًا، ويكفي أن تكون سيرته المقدّسة تشجيعًا لشعبه الذي يمرّ في أحلك الظروف وتشجّعه على الصمود والمقاومة بالعلم والثقافة.

Exit mobile version