.jpg)

عندما التقت عينا جيسي بزوجة باسكال:
“ما تخافي يسوع عم يحرسو مع رمزي وكل الشهدا”
وعادا إليهما شهيدين بفارق 22 سنة، رمزي عيراني وباسكال سليمان، سيناريو واحد لاستشهادهما، الأول خُطف وهو عائد ليحتفل بعيد ميلاد ابنته ياسمينا، والثاني خُطف وهو عائد من واجب تعزية بموت صديقه. كلاهما كان يُفترض أن يعودا الى أحضان عائلتيهما، لكن غدر القتلة سرق فرحة الانتظار واليوم تتقاسم جيسي زوجة رمزي وميشا زوجة باسكال مرارة الغياب، وألم الفراق على شريك العمر ورفيق الدرب وحبيب الروح.
المحطات الصعبة ستكون كثيرة، ولكنّهنَّ زوجات أبطال، وستبقى رؤوسهنّ مرفوعة لإكمال مسيرة أزواجهنّ بقوة أكبر، وليرافعن بيارق الكرامة والعنفوان، وهنّ يرددن “نحن أبناء القيامة، لا نخاف الموت، وسنتابع مسيرتنا بقوة، ولن نتراجع وسنبقى في هذا البلد في هذا الوطن”.
في اللحظة التي خُطِف فيها باسكال، استعاد القواتيون ذكرى حادثة اختطاف رمزي وكيف عاد الى جيسي وولديه جاد وياسمينا في صندوق سيارة، وكأن عقارب الساعة عادت الى الوراء لتعيد تاريخًا أليمًا لا يزال حاضرًا لم يُنسى. كثيرون منهم عاصروا رمزي في مصلحة الطلاب وأروقة الجامعات، ومع استشهاد باسكال عاد رمزي ليحضر بقوة في أحاديثهم وذكرياتهم.
“ما تخافي على باسكال يسوع راح ينتبه عليه تمامًا مثل ما هوِّي حال رمزي اليوم”، هكذا عزّت جيسي ميشا بعدما ووري جثمان باسكال في الثرى. فهل كُتب على جيسي أن تعيش مرة جديدة ما عاشته منذ 22 سنة؟
تقول جيسي إن حادثة اختطاف باسكال أرجعتني إلى تفاصيل اختطاف واستشهاد رمزي الذي لم يغب عن الذاكرة أبدا، “فهو حاضر دقيقة بدقيقة في يومياتي وفي كل تفاصيل حياتي، لكنها حكمًا ألهبت الجرح المفتوح. راودني ذاك الشعور الذي لا يوصف جراء السباق بين عقارب الساعة ومصير المخطوف. في قرارة نفسي أعرف أن كل دقيقة تمرّ ترجّح الكفّة السلبية وتعزّز فرضية خسارة من نحب… الجرح لم يغلق”، تكمل جيسي، “ولقد عشت اللحظة من جديد التي لم أستوعبها عند اغتيال رمزي”.
ولكن ماذا عن ياسمينا وجاد اليوم، وهما اللذان خسرا والدهما وكانا لا يزالان في سن الطفولة؟ كيف عاشا هذه اللحظات اليوم؟
تؤكد جيسي أنها جاهدت كثيرًا لخلق بيئة سليمة لطفولة ياسمينا وجاد، وأحاطتهما مع عائلة رمزي وعائلتها، خصوصًا أنهما لم يفقدا والدهما بحادثة وفاة تقليدية. بطبيعة الحال لا أحد بإمكانه أن يعوِّض عن الأب، إلا أنني حاولت قدر المستطاع الحد من تداعيات ذلك. ومع مرور الأيام، تفتحت عيونهما على قدسية استشهاد والدهما وعلى حجم المحبة والعطف الذي يكنّه رفاق رمزي له. كانا يشاركان في القداس السنوي وفي مختلف المناسبات، خصوصًا في حفل “جائزة رمزي عيراني السنوية” التي كانت تُعطى للمتفوّقين في كلية الهندسة في الجامعة اللبنانية في روميه كونها جامعة رمزي. كل هذه النشاطات التي كانت تنظمها “القوات” ومصلحة المهندسين ومصلحة الطلاب، الى جانب المواقف القواتية الدائمة التي تذكّر بقضية استشهاده وكذلك مواقف بعض السياديين، كان لها الأثر أيضًا في بقاء قضية وذكرى رمزي حيّة في ذاكرتهما. أما عن شعور ياسمينا وجاد من خطف وقتل باسكال، فهذه القضية هزّت كل من يملك حدًا أدنى من الإنسانية، فكيف بالحري لمن شرب الكأس المرّة؟!
عندما التقت عينا جيسي بعينيي ميشا، كانت الحقيقة المرة: “أحسست بالحزن الكبير الذي يمزق قلبها وأحسست بالوجع الذي ينتظرها، والتساؤلات الليلية التي سوف تقلقها وترافقها لمعرفة الحقيقة وهي نفسها تطاردني وترافقني حتى اليوم، بعد 22 سنة.
لكن، لا كلام بعد الرجاء والإيمان المسيحي الذي جسدته ميشا في أول تعليق لها على استشهاد باسكال وتأكيدها على الاستمرار بتربية أولادها على الخط النضالي لوالدهم. وبصوت مفعم بالحزن، توجّهت جيسي الى أولاد باسكال قائلة: “إن والدكم بطل، تصالحوا مع حقيقة استشهاد باسكال وفكروا دومًا عند كل خيار ستأخذوه في حياتكم في حال لو كان موجودًا ماذا كان سيطلب منكم”.
اليوم وبعد مرور 22 سنة على جريمة اغتيال رمزي لا يزال ملف التحقيق في القضية مكانك راوح، فهل العدالة التي لم تتحقق في قضية رمزي، ستتحقق في قضية باسكال؟
تجيب جيسي: “كيف للعدالة أن تتحقق في دولة قرارها مخطوف وقضاؤها إما مكبّل أو متواطئ؟! قضاتها يُهدَّدون علنًا كما فعل مسؤول في أحد الأحزاب حين اقتحم قصر العدل في بيروت لتهديد قاضي التحقيق في ملف تفجير المرفأ طارق البيطار و”ما حدا قلوا ما أحلى الكحل بعينك”. جريمة بحجم تفجير المرفأ الذي خسرت فيه أمي الحبيبة وتتم عرقلة التحقيقات بوقاحة غير مسبوقة، فعن أية عدالة نتكلم، ولكننا مؤمنون بأن العدالة آتيه آتية. وإن خذلتنا عدالة الأرض، فعدالة السماء حتمية وقيامة لبنان آتية لا محال”.
لو قُدِّر لجيسي أن تكتب على سجل شرف التعازي كانت ستدوّن التالي:
الرسالة الأولى لرمزي: “توهّموا أنهم بقتلك سيسكتونك ويرهبوا الرفاق لكنهم لم يعلموا أنّه باستشهادك وُلِدَ ألف رمزي. كن مطمئناً فالمسيرة مستمرّة”!
ولباسكال: “منذ التزمت بصفوف القوات كنت تعلم أن الاستشهاد هو مسار وخيار. والشهيد لا يموت، بل يبقى حاضرًا دومًا في قلوب الجميع! سلّملي على رمزي، حبيب القلب”!
ولياسمينا وجاد تقول: “تعلمان بأن رمزي بطل وأنه استشهد من أجل قضية مقدسة. إنّه حاضرٌ دومًا وأبدًا. كونا فخورين لأنكما أبناء رمزي عيراني”!
ولأولاد بسكال: “البطل باسكال لن يترككم من عليائه وسيكون حاضرًا في كل خطوة من حياتكم … لا تخافوا”!
“المسيرة” ـ العدد 1752
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]