“الحقيقة” في اغتيالات مرحلة السلم

حجم الخط

“الحقيقة” في اغتيالات مرحلة السلم

المتَّهم إما “إفتراضي” أو “واقعي” في كنف المحرِّضين!

وقفوا سدًا منيعًا في مواجهة قوى الظلام، فكانت لهم آلة الموت بالمرصاد عند كل مفترق طريق، أجهزت عليهم جسديًا ثم عمدت إلى عرقلة مسار العدالة لطمس الحقيقة وتضليلها حتى يطويها النسيان، فيما بدا القضاء مكبّل اليدين عاجزًا عن قول كلمته وحماية الضحايا.

يوم أسدلت الحرب ستارها، ساد الظن في لبنان أن شبح الاغتيالات السياسية ولّى إلى غير رجعة، فيما أظهرت الوقائع أن سهامه اخترقت زمن السلم  لتطال رجالات كسروا حاجز الخوف، وكان للقواتيين حصتهم في الاستهداف من رمزي عيراني الى بيار بولس، مرورًا بالياس الحصروني ولقمان سليم وجوزف بجاني وصولًا إلى باسكال سليمان، إلى جانب شهداء ثورة الأرز وغيرهم، فيما تم تجهيل القاتل.

في الأثناء، “القوات اللبنانية” قيادة وقاعدة بقيت مؤمنة بدولة المؤسسات ووضعت نفسها تحت القانون. ومع كل جريمة جديدة بحق أحد “الرفاق”، كانت تزداد إيمانًا بأن المواجهة مستمرة، وعقدت الآمال على خروج “الحكيم من المعتقل” وكانت نقطة التحوّل في المزاج المسيحي في الانتخابات النيابية الأخيرة حين حصدت القوات 19 مقعدًا في البرلمان.

 

المواجهة مستمرة ولا إحباط

في كلمته خلال المأتم المهيب لمنسّق “القوات اللبنانية” في جبيل باسكال سليمان أعلن رئيس الحزب سمير جعجع أن “المواجهة مستمرة حتى استعادة الدولة”. وفي هذا السياق يشير عضو تكتل الجمهورية القوية النائب غياث يزبك لـ”المسيرة” إلى أن عنوان “مواجهة مستمرة” ليس اعتباطيًا أو زجليًا، ولا يهدف إلى رفع المعنويات.

ويؤكد يزبك أن “المواجهة مستمرة وليس هناك من إحباط لدى القواتيين لأنهم يعلمون جيدًا بوجود مسعى لجر لبنان إلى فتنة عبر عملية اغتيال باسكال سليمان، وما نبديه من تحفظ وضبط للنفس اليوم لا يعني أننا محبطون أو تنقصنا الوسيلة، بل لأننا نؤمن بأن الوسيلة الحضارية تعطي المزيد من الفرص للدولة اللبنانية وأجهزتها لتقوم بواجباتها وتعمل على ضبط الأمن”.

ويشير يزبك الى أن “جعجع، في كلمته خلال مأتم الشهيد باسكال سليمان، ظهر كرجل دولة بامتياز، همّه الرئيسي صون مصلحة القوات، مع علمه التام بأن تحقيقها يتطلّب تنفيذ المشروع الذي تعهّدت القوات القيام به منذ الأساس، وهو لبنان سيد حر مستقل يتمتّع بقضاء عادل نزيه”.

عدم الرد على جريمة قتل سليمان بالمفهوم الشعبي، أي الرد باغتيال مقابل، لا يعني ضعفًا أو استسلامًا، بحسب يزبك، بل يمثل تعبيرًا عن الثقة الكاملة بالوسائل التي تعتمدها القوات، “وسائل لا تصدر ضجة بل تستند إلى الصبر والنفس الطويل، مع اليقين بأنها ستصل إلى أهدافها المنشودة في النهاية، وتنجح في تحقيق العدالة لأرواح الياس الحصروني وباسكال سليمان وجميع شهداء الوطن الذين سالت دماؤهم ظلمًا، على أن نحفظ في الوقت نفسه سيادة الدولة وكرامتها، ونعمل على تعزيز السلم الأهلي كمبدأ أساسي للحياة المجتمعية”.

وتمنى يزبك على القاعدة القواتية عدم تفسير موقف قيادتها على أنه إحباط، مذكّرًا إياها بالظروف الصعبة التي مرت بها “القوات”، حيث تعرضت خيرة شبابها للاستهداف على يد النظام الأمني اللبناني السوري، وكان رئيس حزبها في المعتقل، ومع ذلك، لم يتمكن أحد من كسر روح النضال لديها.

ويختم متوجّهًا الى الرفاق: “أنتم متموضعون دائمًا إلى جانب الحق، والحقيقة لا بد أن تظهر، فلا تسمحوا لأحد بأن يؤثر عليكم سلبًا أو يزرع الشك في نفوسكم حول صوابية مواقفكم”.

 

المواجهة بالقانون

بدوره، يؤكد عضو تكتل الجمهورية القوية النائب جورج عقيص، أن المواجهة مستمرة بالطرق القانونية. وإذ يعترف بوجود قلق جدي، ليس بسبب التشكيك في الأجهزة الأمنية والقضائية، أو الخصوم معها، بل من منطلق الدعم المطلق لها لأداء واجبها بكفاءة، يشير عقيص إلى ملفات سابقة بقيت فارغة من المعطيات، مثل جرائم قتل لقمان سليم والياس الحصروني ورمزي عيراني، وتفجير مرفأ بيروت، وصولًا إلى جريمة قتل باسكال سليمان مما يتطلب الضغط بالقانون للكشف عن مرتكبيها.

ويضيف عقيص: “هذه المعطيات تدفع بتكتّل الجمهورية القوية نحو الضغط بالقانون للكشف عن الجناة، مع يقيننا بأن المسار سيكون طويلًا كاشفًا عن تعاون بين التكتل وبين الكتل النيابية وقادة الرأي المهتمين بسيادة القانون في لبنان، لإنهاء زمن الإفلات من العقاب، من خلال أربع خطوات تشمل التعجيل باقتراحات استقلالية القضاء، وإلغاء الشق المدني من المحكمة العسكرية، والضغط على الحكومة لإعلان نتائج التحقيقات وتبيان مسارها وعرقلتها في حال وجود عرقلة، إلى جانب التواصل المستمر مع المجتمع الدولي والدول الصديقة لاطلاعهم على الأزمة القانونية التي يعاني منها لبنان”.

 

الخلل في كشف الجرائم السياسة

لأن مصير معظم الجرائم السياسية بقي غامضًا، كان لا بد من الغوص أكثر في الأسباب. النائب العام التمييزي الأسبق القاضي حاتم ماضي أوضح لـ”المسيرة” أن لا وجود للجريمة المنظمة في لبنان، مما يسهّل على القضاة كشف كافة الجرائم، سواء أكانت عادية أم سياسية.

ويميّز القاضي ماضي بين مرحلتين من المحاكمات في لبنان أثناء تولّيه المسؤولية القضائية، حيث اتسمت المرحلة الأولى بالنموذجية، وتعود إلى أربعين عامًا. في تلك المرحلة، تم الكشف عن حقيقة جميع الجرائم، ومعرفة الجاني في فترة زمنية قصيرة.

في المرحلة الثانية التي تعود إلى نحو عشرة إلى اثنتي عشرة سنة، يتابع ماضي، شهدت البلاد تغيّرات جوهرية، وبدأت الفوضى الأمنية تتسلّل، ما أدى إلى تحوّل تدريجي في وضع المحاكمات “وبات من الصعب علينا كشف الجرائم على أنواعها العادية والسياسية، بسبب الغطاء الذي كانت تؤمنه لها أحزاب وجمعيات ومؤسسات أمنية خارجية، بحيث كانوا يرسمون الجريمة بطريقة محكمة، وفي هذه الحالات، يشعر القاضي بوجود شيء ما، لكنه يبقى عاجزًا عن الوصول إليه، بسبب قطع الطريق على أدوات التحقيق، سواء أكان ذلك عبر تهريب الفاعل أو حتى من خلال قتله لإزاحته من الطريق”.

ويشرح أن المحققين واجهوا ولا يزالون يواجهون عند الاستجواب عقبات كبيرة.  “كانوا يشعرون أن فلانا يملك من المعلومات ما يخدم القضية، ليكتشفوا لاحقًا أنه اختفى، وإن وجد يدلي باعترافات لا تمت الى الجريمة والوقائع بصلة. وهذا ما أدى الى نقل المحاكمات إلى مرحلة الاجتهادات والتحليلات، وبالتالي تمييعها وطي صفحتها في كثير من الأحيان، على حد قوله.

على أن التحدي الأكبر يكمن، وفقًا للقاضي ماضي، في كشف الجرائم السياسية لكونها تحمل بعدًا سياسيًا. وفي حال تم الكشف عنها وتحديد الجاني، يمكن أن يؤدي ذلك إلى مشاكل كبيرة.

الالتزام بالمواجهة يمثل رسالة حيّة تحملها أرواح الشهداء، وتحثّ الجميع على الثبات وتوحيد الجهود لتحقيق الانتصار النهائي وإرساء العدالة التي تشكل أساس بناء لبنان الذي نحلم به، كدولة تقوم على مبادئ المؤسسات وتحظى بثقة شعبها ومجتمعها الدولي.

“المسيرة” ـ العدد 1752

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل