شهداؤنا في يوم شهداء الوطن

حجم الخط

شهداء القوات اللبنانية

بعد أن هجن الكثيرون مقام وطننا، وأوّل الدّخلاء قضيّته، واستباحوا روحه، كلّما دعت مناسبة، ليرجعوه من طور النّور الى شقاء الظّلمة، ويصبح صدًى لجلجلة استبدادهم به، أقسم الذين محضوا لبنان ولاءهم، على أن يعيدوه من غربته، ليعود سيرة الدّنيا، كما كان. فالوطن الذي يعيش في الوجدان، ندماؤه خواصٌ، وخالقه يفيض عليه بالنّعم، مهما وقع الغدر فيه نهبًا واختلاسًا.

لبنان، مع الذين قاوموا عصبة البربر، والهمج، هو حالٌ مفردةٌ لا يعرف لها شبيه، ولا يمكن الإقرار بأنّها، فقط، أثرٌ عاديٌّ صرف، يأتيه أيٌّ من النّاس. إنّ نشأة لبنان قديمةٌ سبقتْ شهداءه، غير أنّ وجوده لم يفهرسْ في كتب التراجم إلّا معهم. فالشّهداء الذين ردّوا الإثم الذي رمي به الوطن، تمالحوا مع أرضه فاكتحلت بهم، وتحوجت من أنفاسهم شعورًا بالعزّة، فتحولت ندوب دمعها أثلام عافية.

لقد أصبح وجه لبنان، مع شهدائه الذين رفضوا القهر والرّضوخ، مباركًا، واخضرّ، معهم، يبوسه، لأنه تطبب بهم. ولمّا لم يكنْ لبنان، في ضمير مخلصيه، يومًا، في إجازة، ثوّر هؤلاء التزامهم المنسوج بخيط القلوب، وكانوا مشربين بأنفاس العنفوان الذي احتضنوه من دون قناع، وأبوا أن يبدد مصير الوطن بمخلب ظلم، وآمنوا بأنّ المآرب لا تدرك بالهوان، وبالاستكانة، أو بالتلهّف على مرارة، بل بنضالٍ تلحّنه طبول المواقع.

عندما قلّ النّضال في أيدي النّاس، ألبست الأيام لبنان كدرًا، وعجز عن نزع ما ألبس، فصار محبرًا بريشة النّوائب، لكنّ الذين علّقوا مصابيح الولاء في أسطح قلوبهم، لم تكن سهامهم شرودة، فما حال بينها وبين أهدافها حائل، لما ضجّ فيها من روحٍ ملتهبٍ، وشقعة توثّب. فهؤلاء الذين امتهنوا إعزاز الوطنيّة، وأرادوا كل فصولها ربيعًا، أردوا مقولة “شعبٍ ميتٍ ليس يفيق”، وكانوا جرعة إنعاشٍ لمبايعة قضيّة حقّ، لم تر أصلب منهم شاهدًا، ولا أصدق وفاءً، ولا أنبل نفسًا.

عندما عانت القضيّة مرّ الشدّة، وقد أضناها الرقّ السياسيّ، واليأس من منظومةٍ بائسةٍ لم تتقنْ سوى نهب البلد، ترجم الشهداء للوطن بإخلاصٍ حتى التّقديس، وحوّطوا هواهم بهواه، وانطوى لهم، به، مودّةٌ أضرم من عشق. وإيمان الشّهداء بالقضيّة فعلٌ ثابت، وحنينٌ الى حبّة ترابٍ من أرضه القتيل، لذا، لم يحوّلوا الوطن، كغيرهم، أطلالًا في البال، فبلغوا، في التزامهم، حالة الحلول، وفي حسّهم الثّوريّ اندفاع الأبطال.

في ساعات الصّعوبة، عندما تكيد للوطن الدّسائس، يندر منْ يصلب خدّهم. وعندما يبسط الحقد سلطانه، فوق أرض الوطن، بفائض وخز السّكاكين التي تحبّر في قلوب الناس جروحها، يندر منْ لا يخضعون أمامها. إنّ شهداءنا، وحدهم، استطاعوا أن يوسّعوا ثقبًا في تشبيك المؤامرة، ليتمكّن الوطن من الخروج الى الطّلق، وكان لخرير دمهم دويٌّ عظيم، فلم يهدأْ أبدًا في سمْع الوطن.

لقد رسم شهداؤنا للوطن، في وجدانهم، صورةً مبتسمة الظلّ، ولم تحترقْ. فالوطن، في بالهم، يتساقى مع الدّهر كؤوس المجد، فليس مسموحًا لحرّاس الجحيم أن يجثموا فوق كفنه، وأن يغتالوا ما في أرضه من سلالة الآلهة، وأن يدنّسوا ما على جبينه من نقوش الكرامة. لقد رصّع شهداؤنا حلية المواجهة بيدٍ صائغةٍ مجرّبة، وبحماسٍ بالغ، وكسروا الأقفال المسنّنة التي انتهكت الحريّة، ودفعوا أرواحهم من دون منّة، حتى لا يخلو الجوّ للذين يغتالون الكيان، والنّظام، والأرض، والدولة، والسيادة، بفائضٍ من قوّةٍ غير مشروعة، وبخبثٍ لا ينضح منه إلّا سوء العهد، والخيانة.

يا شهداءنا الذين لمع درّ شهادتكم عقدًا منظومًا، أنتم أصحّاء الوفاء للبنان، الثّابتون في ضلوع كيانه، مثلكم كمثل النّور الوهّاج، لا يثبت في مواجهته إلّا أصحّاء العيون. ويا أحبّاءنا، عندما عطب مبضع كارهي لبنان عروقكم، أمسى دمكم طيبًا، وذخائر مجد.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل