بطريرك الكلام مار نصرالله بطرس صفير «نحن في هذه البلاد لسنا بطارئين… ولن نيأس»

حجم الخط

لم يكن يوم 19 نيسان 1986 تاريخ إعتلاء بطريرك الإستقلال وصخرته كرسي بكركي يومًا منفصلاً عن سيرة هذا الرجل بمضامينها الأدبية الزمنية الدينية الكهنوتية والسياسية الوطنية. لقد طُبع أداؤه من سيرة أسلافه من البطاركة الـ75 وطَبع بإيمانه وصلابته وثباته ونزاهته ومواقفه خطاً ونهجاً يسير عليه من خلفه من البطاركة ومن أيده من المواطنين مسيحيين ومسلمين الى أبد الآبدين.

تزامنت ولادة نصرالله صفير في 15 أيار 1920 مع ولادة ونشأة لبنان الكبير بجغرافيته الحالية وكان لسلفه البطريرك الياس الحويك بشكل خاص والموارنة بشكل عام الفضل الأكبر في إنشائه. وقد قال البطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير في هذا الإطار: «مهما قست الأيام، ومهما عَظُم المصاب، فإننا لن نيأس… نحن في هذه البلاد لسنا بطارئين… نحن من أنشأنا لبنان ولن نكون غرباء فيه».

من المجحف حقًا أن نتحدث عن المحطات المؤثرة في تاريخ لبنان الحديث ونقاط التحوّل فيه وفي السياسة العامة في لبنان من دون ذكر بصمات البطريرك صفير الواضحة والجلية والمؤثرة، لا بل المساهمة الأساسية في صناعة هذه المحطات -الإنجازات، من 1986 وحتى استقالته الطوعية المشرّفة في 2011 وهو بكامل قواه العقلية الحكيمة والحكمية، منصرفاً الى الصلاة والتأمل حتى ساعة انتقاله في 12 أيار 2019 من دون مغادرته.

لقد رفض غبطة البطريرك فرض الإرادة  السورية الخارجية في انتخابات رئيس الجمهورية عام 1988، كما رفض إدارتها ورفض الحروب العبثية التي ضربت المسيحيين في استقرارهم وحرية قرارهم، ليضطر بعدها أن يغطّي أفضل الممكن في دستور إتفاق الطائف مدافعًا عن تطبيقه الصحيح من ناحية الشراكة والمناصفة وسيادة الدولة اللبنانية والقانون على كامل أراضيها ومؤسساتها بانسحاب كل القوات غير اللبنانية وحل كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الجيش اللبناني. كما كان منتقدًا ومهاجمًا شرسًا لإخراج الطائف عن مساره عبر الإنقلاب السوري عليه وتغليب أفرقاء على فريق.

يُجمع اللبنانيون أن بيان المطارنة الموارنة التاريخي في 20 أيلول 2000 كان حجر الأساس في إجماع اللبنانيين على مواجهة الوصاية والإحتلال والإستنسابية والإختلال، وما تبعه من معارضة بكركي الشرسة للإحتلال ونظامه وأتباعه في لبنان، وممارستهم الشاذة في القضاء والأمن والسياسة، ومنها على سبيل المثال التمديد القسري تحت التهديد لرئيس الجمهورية آنذاك إميل لحود. كما يُجمع اللبنانيون أن أداء البطريرك الذي «حفر جبل مسيرة الإستقلال بالإبرة» أثمر إنتفاضة فاستقلالاً ثانيًا في 14 آذار و26 نيسان 2005 تكوكبت حوله المكوّنات الوطنية كافة بأحزابها وطوائفها وأطيافها.

لا شك أن فترة تولي البطريرك صفير سدّة بكركي قد شهدت أكثر الأيام تحديًا وصعوبة أمام الوجود والدور المسيحي في لبنان، وكما كان صفير في المواجهة مع الإحتلال الأصيل كان هو نفسه مع الإحتلال البديل – الوكيل المتمثل بـ»حزب الله» وسلاحه؟ فالبطريرك حضن ورعى لقاء قرنة شهوان الذي أصبح في ما بعد لقاء البريستول، ومن ثم قوى 14 آذار التي ووجهت مع بكركي من قوى 8 آذار ومحركها الأساسي «حزب الله» المعلَنة إرتباطاته ومشاريعه وأهدافه البعيدة عن الهوية اللبنانية والعربية…

من هنا قال صفير محذّرا في 6 شباط 2009: «إذا انتقل الوزن الى 8 آذار أو 14 آذار لم يعد لهم وزن، فإن هناك أخطاء سيكون لها وزنها التاريخي على المصير الوطني». وفي 6 حزيران 2009 قال: «إننا اليوم أمام تهديد للكيان اللبناني ولهويتنا العربية، وهذا خطر يجب التنبّه له. لهذا، فإن الواجب يقتضي علينا أن نكون واعين لما يُدبّر لنا من مكايد ونحبط المساعي الحثيثة التي ستغيّر إذا نجحت وجه بلدنا».

هذه المواقف كانت مؤشرًا لامتناع ما يُسمّى بـ»حزب الله»، بحسب تعبير البطريرك صفير، عن إصدار بيان نعي رسمي صادر عن الحزب أو عن أي من مسؤوليه مستثنيًا نفسه عن جميع القوى والأحزاب والشخصيات اللبنانية. ومن الضروري الإشارة هنا الى أن البطريرك صفير، وعلى خلاف أداء الحزب، كان قد بادر إلى فتح الصرح البطريركي لتقبّل التعازي باستشهاد المفتي حسن خالد في 16 أيار 1989.

لقد قام النظام السوري واتباعه و»حزب الله» بحملات ومحاولات لثني البطريرك صفير عن المجاهرة بالحقيقة والحق وعن المطالبة بالحقوق المسيحية والوطنية والسيادة والإستقلال، ففرض حصارًا على سبيل المثال على عظاته ومنع إذاعتها، وعلى سبيل المثال والإستدلال عندما قام الرئيس نبيه بري بمبادرة باتجاه بكركي في الـ2000 تنص على إعادة إنتشار الجيش السوري، وتحسين ظروف إعتقال سمير جعجع، وتوفير الحماية لوليد جنبلاط بعد مصالحة الجبل. أُجهضت مساعي برّي بضغوط من قبل النظام السوري، ما دفع برئيس المجلس يومها إلى الإعتكاف.

يقوم «حزب الله» اليوم مع البطريرك الراعي الخلف بمثل ما قام به مع السلف من محاولات تطويق وتضييق وإسكات وحملات تخوين وتهديد واتهامات، لا لشيء إلا لأن البطريرك الخلف كما السلف لا ينفك مطالبًا بالدولة وتحرّر قرارها وسيادتها بقواها الشرعية، ومنددًا بالسلاح ودويلته وهيمنتها على قرارات الدولة السيادية كالسلم والحرب.

ونختم بما بدأ به يوحنا الرسول إنجيله في الكتاب المقدّس: «في البدء كان الكلمة». ولاقاه فيه البطريرك صفير الراحل الحاضر بتكرار مختصر معبّر بما قل ودلّ وفعل: «لقد قلنا ما قلناه.»

“المسيرة” ـ العدد 1752

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​​​​​​​​​​​​

خبر عاجل