.jpg)
لا ينسى اللبنانيّون يوم قال سمير جعجع في انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 الأمر لي، وانصرف وقتذاك إلى إعادة تنظيم حزب القوات اللبنانية على مختلف الصعد، لا سيما على الصعيد الفكري – الحضاري، حيث أصابت تلك اللوثة الفكرية بعض مَن أصابته من الشارع المسيحي على أثر الاتفاق الثلاثي الذي كان يحاول إيلي حبيقة إبرامه مع النظام السوري ومحوره في لبنان،تحت ذريعة الحفاظ على ما تبقى من المسيحيين، لكن الهدف المعلن كان الوصول إلى رئاسة الجمهورية لأسباب شخصية بحتة.
نجح سمير جعجع بإرساء نهج المقاومة اللبنانية في مواجهة مستمرة مع كل الذين يسعون لتقويض الإرادة المسيحية حتى إخضاع المسيحيّين، وصولًا إلى تبديل وجه لبنان الحضاري عبر إلحاقه بسوريا بعث الأسد، لأن البعثيين أدركوا أن العقبة الوحيدة أمام مشروعهم هي القوات اللبنانيّة، لذلك خطّطوا لتدميرها حتى إنهاء هذه الحالة المقاومة في المجتمع المسيحي. ثم كان ما كان مع جنرال توحيد البندقية ورفض الميليشيات، والقاصي والداني بات يدرك زيف هذه الادّعاءات، وكم كلّف هذا الجنرال الهارب المجتمع المسيحي بقضائه على القوة المسيحية الضامنة يوم قرّر إلغاءها في 31 كانون الثاني 1990، وما تسبّب به من مآسٍ وويلات للمجتمع المسيحي كلّفته أكثر من 1000 شهيد.
أمّا اليوم، وبعد عودة الجنرال الهارب الميمونة وتحالفه مع الميليشيا الأقوى عبر اتفاق الخضوع والإذعان تحت مسمّى تفاهم مار مخايل في 6 شباط 2006، فعاد وكلّف المجتمع المسيحي ما تبقّى له عبر تسليمه الكلّي للدّولة اللبنانيّة للمشروع عينه الذي ادّعى تحرير لبنان منه في 14 آذار العام 1989، إنّما هذه المرّة تحت إشراف وإدارة منظّمة “الحزب” التي نفّذت البند العسكري من الاتّفاق غير المعلن في السابع من أيّار العام 2008، وأطبقت على السلطة.
منذ ذلك التّاريخ تواجه القوات اللبنانية بالسياسة وحدها هذا المشروع القاتل للكيانيّة اللبنانية، حتى ضاق اللبنانيون ذرعًا من الدركات التي أوصل إليها هذا المشروع لبنان الدّولة. بات معظمهم يتساءل: متى يقول سمير جعجع الأمر لي؟ بالطبع في هذه التساؤلات التي باتت أكثر من مشروعة حقّ وواجب إنسانيّ ووطنيّ، لكن معظمها ليس نابعًا عن حبٍّ لسمير جعجع، بل عن اقتناع بالمشروع السياسي اللبناني الذي لطالما حمله، ونجح المشروع المضاد بتشويه صورته. لكن شمس الحقيقة إن أخفتها غيوم الحقد برهة فهي لن تستطيع إخفاءها إلى الأبد.
لعلّ أكثر ما يخافه مشروع الولاية الصفويّة لإيران في لبنان هو نجاح مشروع سمير جعجع في استعادة نموذج الدولة المؤسساتية الذي أرساه. ذلك لأنّ هذا المشروع بالذات يعني موت مشروع إيران في لبنان، وبالتالي أول وأهم مدماك سقوط هذا المشروع سياسيًّا في المنطقة كلّها. لعلّ هذا ما يفسّر أيضًا بحث هذا المشروع عن أرض بديلة قد تكون الرديف للأرض اللبنانية، هذا ما اتّضح في الأحداث الأخيرة التي تمّ الكشف عنها في الأردن.
سمير جعجع لا يعمل بالخفاء، لكنّه يعمل بصمت، بلا قرقعة وجعجعة كما يدّعون هم أنفسهم ويعملون. هو يعمل حتى الوصول إلى لحظة إعلانه: “الأمر لي”، وهذه اللحظة لا بدّ آتية. الناس قالت كلمتها في أيار 2022، وهي ستقولها بأصوات مدويّة أكثر، فالقناعة السياسية الوطنية بالمشروع الذي يحمله هذا الرجل ازدادت أضعافًا مضاعفة. لا بل إن المجتمعين الدولي والعربي مقتنعان تمام الاقتناع أن وجود الدولة في لبنان هو ضمانة لهما.
مَن يستطيع إدارة مشروع الدولة هو نفسه الذي قدّم مشروعًا ناجحًا يوم كان هو بحدّ ذاته هذه الدولة. لعلّ نجاح التعاطي السياسي القواتي عبر مؤسسات الدولة منذ دخولها في العام 2005 وحتى اليوم، هو الذي أقنع اللبنانيين ومعهم الدول الداعمة بصوابيّة هذا النهج السياسي المقرون بالمواجهة المستمرة لمشروع اللادولة الذي سيسقط حتمًا عبر هذه التجربة الفاشلة. لذلك كلّه، لا يمكن بعد اليوم القبول بالاستمرار على الاستقرار في هذا المشروع القاتل. ويقيننا أن الدول التي تريد الحياة للبنان ستدخل مرحلة جديدة بالتعاطي السياسي مع هذه الطغمة الحاكمة عبر إسقاطها بشتّى الوسائل السياسية والديمقراطية.
ما نجح هذا المحور بالاستمرار إلّا استفادة من دخوله في حرب غزّة. فدناءته تبرز حتّى في استغلال مأساة الشعب الفلسطيني والسوري للبحث عن كوّة لاستمراره في الوجود السياسيّ. لذلك عمل ونجح بربط الحالة السياسية العقيمة في لبنان بحرب غزّة. لكن هذا ما سيتمّ إسقاطه لسببين جوهريّين:
ـ الأول لأنّ اللبنانيين لا يمكن أن يقبلوا بالاستمرار على هذه الحالة من التحلّل المؤسساتي والانهيار، وسيقولون كلمتهم في أي استحقاق ديمقراطي، وإن استمرّ هذا المحور بممارسة نهجه المحبّب في الديمقراطية التعطيليّة فللشارع مرحلة جديدة.
ـ الثاني لأنّ الخماسيّة انتقلت في الممارسة السياسية إلى مرحلة جديدة قد تترجم في الضغط عبر تسمية المعرقلين لاستمرار الحياة السياسيّة الطبيعية.
لبنان الجديد آتٍ لا محالة ولن يكون بنكهة صفويّة، ولا استعادة لتجارب سياسية أثبت التاريخ فشلها. ومنطلق الحّ سيكون من الناس أنفسهم بتطبيق الكتاب. لا بدّ واصلون إلى التحرير السياسي عبر تحرير السيادة المحتلة، لتكون المرحلة المقبلة في التحرّر السياسي. عندها سيقول سمير جعجع: “الأمر لي”، وسيكون لبنان الجديد.