لا استنسابية في الاحتلالات.. إسمعوا نصيحة جعجع

حجم الخط

لبنان ـ سمير جعجع

فقط في لبنان تختلف “نكهة” الاحتلال! منها ما هو عنيف ومنها ما هو “لذيذ”! عندنا احتلال معترف به، ولأجله تُشن حروب وحروب عبثية عشوائية كل نحو عشر سنوات، يُدمر لبنان ويبقى الحال على حاله، ونحكي عن إسرائيل. وعندنا احتلال غير معترف به، أسوأ بعد بكثير لأنه احتلال “شقيق” مفترض، تبيّن على مرّ أكثر من أربعين عامًا أنه أسوأ من الإسرائيلي بأشواط، لأنه دخل قلب البيت اللبناني، دمر، اعتقل، نهب، اغتال والتَهم كلّ مقدرات الدولة، ولا زال لنا بذمتهم مئات المعتقلين غير المعترف بهم، وخرج عسكرهم من الباب ودخل نازحوهم من الشباك، ومع ذلك والأخطر، أنه غير معترف به بالنسبة لتلك الدولة البائسة المحتلَة، لمجرد أن سلطة الميليشيا ترفض الاعتراف بوحشيتهم، ونحكي عن سوريا، وأكثر من ذلك سلطة “الممانعجيين” ما غيرها، تفرض إعلان 25 أيار عيدًا وطنيًا، وأكثر والأسوأ بعد، تفرض تخصيص ساعة في المناهج الدراسية لشرح أهمية هذا التاريخ!

عظيم، لكن هل يظن هؤلاء أن أمرًا كهذا سيمرّ على اللبنانيين مرور الكرام وسيحنون رؤوسهم صاغرين لقرار مماثل؟! المشكلة في دولة البائسين تلك، أن حتى الاحتلالات استنسابية، دولة قوامها مجموعة وزراء خانعين، لا قرار لديهم ولا الكرامة الكافية لإعلان وطنيتهم ورفضهم لأوامر من نصّب نفسه “وليًا فقيهًا” على وطن الأرز والأحرار، مع بعض الاستثناءات القليلة.

قد يكون من الأفضل البدء بكتابة المقال بتوجيه رسالة مباشرة الى رئاسة مجلس الوزراء، لتعاطها مع الشعب اللبناني كتلاميذ في صفوف الروضة الأولى، والفرض على القسم الأكبر منهم، ما لا يرغبون به، والمشكلة الأكبر أن من اتخذ القرار لا يملك القرار، وقرر وبناء على ما أملت عليه “المقاومة” أن يأخذ هذا القرار الوطني العظيم!!

في بيان صادر عن الدكتور سمير جعجع، استنكارًا على قرار استنسابي مماثل، يقول فيما يقوله، “إذا كان من البديهي إيراد مناسبة خروج الجيش الإسرائيلي من الشريط الحدودي ضمن الأعياد الوطنية فإنه من البديهي إيراد مناسبة خروج الجيش السوري من قلب لبنان، ضمن الأعياد الوطنية، فالاحتلال هو احتلال سواء من عدو أو من “شقيق” خصوصًا أن النظام السوري كان يضع يده كاملة على الدولة ومؤسساتها ويهيمن على معظم التراب اللبناني وليس من الجائز التعاطي باستنساب مع قضايا تتعلق بسيادة لبنان”، ما يعني أن على تلك الدولة، أن تحترم تاريخ لبنان الحديث، وتاريخ من ناضل لأجل بقائه، وأن تحترم كيانه وحرمته التي تُنتهك بذاك النكران المذل، لحقبة لم ننسها بعد، حقبة سوداء مظلمة ممتلئة بالاغتيالات والتعسف وملاحقة الأحرار، واستشهاد الكثير منهم فداء عن حرية وسيادة لبنان، لا أن تعتنق سياسة النكران والتحدي للشعب اللبناني الحر، الذي عانى، أسوأ أيام التعسف زمن الاحتلال السوري للبنان. اذن وبالمقابل يجب أن يُدرج 26 نيسان 2005 تاريخ استقلال لبنان الثاني عن سوريا، وأن يكون عطلة رسمية أيضًا، هذه هي العدالة في المواطنة حضرة “الدولة”.

وبعد، وبما أن الشيء بالشيء يذكر، أو الأفضل القول السيء بالسيء يذكر، على تلك الدولة الاعتراف بشهادة رئيس الجمهورية بشير الجميل وإعلان 14 ايلول يوم عطلة رسمية، وكذلك الأمر، إعلان 22 تشرين الثاني، تاريخ اغتيال الرئيس رينيه معوض، يوم عطلة رسمية أيضًا، كما تاريخ 16 تموز يوم اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رياض الصلح، واللائحة تطول، لتتحقق المساواة للشعب اللبناني بشهدائه الأحرار.

طيب نعود الى فرض تلك الساعة الوطنية “المجيدة” على المناهج التربوية، وهنا يقول الدكتور جعجع “إن الطلب من المدارس والمعاهد والجامعات تخصيص الحصة الأولى لشرح أهمية المناسبة يعتبر تدخلًا في المناهج التربوية، إلا إذا كان المقصود الرسمي منها فحسب والذي يستدعي أيضًا تخصيص حصة تتعلق بمناسبة وطنية متمثلة بخروج الجيش السوري، وفي الحالتين يجب الاتفاق على مضمون هذه الحصص بهدف تنشئة الأجيال تنشئة وطنية صحيحة عمادها الدولة فحسب كسلطة قرار والجيش كمنفذ حصري لهذا القرار في حماية السيادة والدفاع عنها”، كلام يحاكي ويحترم وجدان الشعب الحرّ الذي قاوم الاحتلال السوري وضحّى حتى الشهادة لأجل جلائه عن لبنان، لكن طبعًا قامت قيامة الممانعين على بيان الحكيم، علمًا أن ما طالب به سمير جعجع يعتبر ضربًا من الخيال المطلق في دولة امتهنت إذلال الشعب تحت ضربات ما يسمى “المقاومة”.

باختصار، يريدون تطبيع لبنان ثقافيًا وتربويًا بعدما أخضع سياسيًا وعسكريًا، لكن مرحبًا، نحن هنا ونقاوم، وهذا ما يجعلكم تستشرسون أكثر وأكثر في محاولات تطويع الشعب السيادي الحرّ الذي يواجهكم بالصدور العارية. يريدون وطنًا بحسب ما تريد مقاومة إيران في لبنان. يريدون تاريخًا استنسابيًا، ينكر الاحتلال السوري “الشقيق” الذي كان مقنعًا وكشف عن أنيابه كافة لاحقًا، ويركزون على الاحتلال الإسرائيلي الذي خرج منذ سنين من لبنان، ولولا تدخل “الحزب” وحركشته في جنوب لبنان بوكر الدبابير ذاك لأجل ما يسمى “طريق القدس ونصرة غزة” وما شابه، لما دمرت إسرائيل الجنوب بهذه الوحشية.

كله احتلال وحشي، الإسرائيلي والسوري والآن الأبشع الإيراني، والأيام الآتية والتي لن تكون بعيدة كما يظنون، سيكتب التاريخ، أن أسوأ احتلال للبنان ليس من العدو المعلن، إنما من الأعداء المقنعين، أولهم سوريا وثانيهم احتلال “أهل “البيت، وكلنا شهود، والأجيال الطالعة أكبر شاهد على ما يحصل في لبنان وسيكتب لبنانيون شرفاء أحرار تاريخ لبنان الحديث بكل شفافية، لتبقى العبرة للأجيال القادمة، وستكون أول كلمة وآخر كلمة في كتاب تاريخ لبنان الحديث “لبنان وطن باق الى الأبد وكل احتلال الى زوال آمين”.. سجِلوا عندكم يا أصحاب “القرار”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل