#dfp #adsense

طالما الهدم بات مؤكداً.. فَلِمَ الانتظار بعد؟

حجم الخط

لكلّ كيان صلاحيّة للحياة. تنتهي مع انتفاء الحاجة إلى وجوده. وإن تجسّد هذا الكيان في إطار جغرافيّ ومؤسّساتي وصار دولة، فلها أيضًا صلاحيّة للحياة تنتهي حتمًا مع انتفاء علّة وجود هذه الدّولة. وقد تتضافر عدّة أسباب تؤدّي إلى السقوط الحتمي، لكن يبقى أنّ هنالك بعض الأسس الوجوديّة للدولة متى اهتزّت تشكّل هي بحدّ ذاتها الفاعل الأوّل للسقوط.

ويكفي أن نعود إلى عدّة نماذج في التّاريخ القريب والبعيد لنستخلص العبر حول كيفيّة انتهاء عمر الدّول والحضارات حتّى نستطيع الاختيار بين خيارين اثنين لا ثالث لهما: الأوّل يكمن في الحفاظ على ما تبقى وتطويره؛ والثاني الإسراع في عمليّة السقوط بهدف البناء الجديد. فالدّول التي كانت تحت المظلّة الشيوعيّة مثلًا سرعان ما تهاوت لتولد كيانات جديدة على أنقاضها بعد انتفاء العامل الذي شكّل فيها العصبيّة الجامعة.

وهذا ما ثبّت نظريّة المؤرخ أرنولد تونيبي، في كتابه “دراسة التاريخ” الذي يستكشف فيه عوامل نهوض 28 حضارة وانهيارها، حيث اعتبر توينبي “أنّ الحضارات العظيمة تحمل في طياتها أسباب زوالها.” زد على ذلك العوامل الخارجيّة التي قد تساهم في عمليّة السقوط، كي لا نقول الاسقاط. هكذا سقطت روما وبيزنطيا وأثينا واسبرطة والسلطنة العثمانيّة…

فيما ابن خلدون يعتبر أنّ الامتداد المكاني والزماني لحكم عصبية (فئة) ما، هو الذي يشكّل الدّافعيّة لبناء الدّولة. وتقوم “العصبية” على الدين أو الولاء أو الفكر المشترك أو القومية أو ما إلى ذلك من مشتركات تصلح لتشكّل المنطَلَق لبناء الدولة واستمرارها. ولعلّ هذا ما يثبّت نظريّة انهيار الدّول الشيوعيّة في تسعينيّات القرن المنصرم حيث زالت العصبيّة الفلسفيّة التي كوّنت تشكيلاتها المؤسّساتيّة ما أدّى إلى انهيارها تباعًا. زد على ذلك عدّة عوامل تبدأ بالاستبداد والظلم وتحوّله إلى نهج حياتيّ لتثبيت الحكم، وسوء الإدارة والفساد والتوزيع غير العادل للثروات والظلم الاجتماعي الذي شكّل بحدّ ذاته عامل فرز طبقي في هذه المجتمعات. مع ما رافق تلك المرحلة من تداعيات للسياسة الخارجيّة للمرجعيّة الشيوعيّة الأم، ومن تأثيرات للتدخلات التي نجحت بعض الدّول الليبراليّة بممارستها على بعض الدّول. أعني هنا التدخّلات الأميركيّة بشكل خاصّ.

وكما اعتبر إبن خلدون أنّ بالعصبية القوية “يكون تمهيد الدولة وحمايتها من أولها” ويكون قيامها وسقوطها أيضًا، ولا تقوم العصبية إلا بالركون إلى المجتمع/الاجتماع أو بمصطلح ابن خلدون “العمران”. من هذا المنطلق بالذات نفهم مآلات السقوط أو الاسقاط الذي نجحت بتحقيقه السياسات الخارجيّة.

هذه العلامات كلّها تنطبق على الدّولة اللبنانيّة التي انهارت فيها ركيزة النّظام الاجتماعي لصالح طغمة فاسدة من السياسيّين، ومعها قلّة قليلة من الأزلام. استطاع هؤلاء أن يستأثروا بمقدّرات الدّولة حتّى وصلنا إلى هذه الدّركات الاقتصاديّة. فانعدمت المساواة وحكمت هذه الأقليّةّ مستغلّة مركزيّة الحكم، ومانعة تحوّله إلى أبسط أشكال اللامركزيّة الإداريّة حتّى. لتستأثر بالقرارات. وفرضت على المجتمع اللبناني مواجهة المزيد من المشكلات بعدما انخرطت عبر جناح المحور الإيراني في لبنان بحرب ضروس، أتت حتّى ساعة كتابة هذه السطور على الحجر بنسبة كبيرة، ولم توفّر نيرانها خيرة الشباب اللبنانيين؛ حيث نجحت هذه المنظومة بإخراجهم من لبنانيّتهم عبر اللوثة الايديولوجيّة – المذهبيّة.

وهذا ما عزّز أيضًا نظريّة المؤرخ والخبير جوزيف تينتر حيث يعتبر أنّ “المجتمعات تنهار تحت وطأة التعقيد والتشابك والبيروقراطية. فالمجتمعات تزداد تعقيدًا وتشعّبًا كلما واجهت مشكلات جديدة. لكن مردود التطور والتعقيد يقل تدريجيًّا ويقود البلاد إلى الانهيار.”

وما أخّر ساعة الصفر هو القدرة اللبنانيّة على التأقلم نتيجة تحوّل اللبناني جينيًّا إلى شعب متأقلِمٍ بعد كمّ المعاناة التي ضربته عبر هذه السنين، ولا زال إلى تاريخه شعبًا صامدًا. وهذا ما يدفعنا إلى الاستنتاج الايماني بوجود دور ما لهذا الشعب حتّى بقائه إلى هذه اللحظة شعبًا حيًّا. نأمل أن تكون ساعة هذه المهمّة قد دقّت؛ فمعايير الصمود قد شحّت لأنّ مصادر الدّخل على تنوّعها في لبنان لم تعد كافية. بغضّ النّظر عن مهارة اللبناني في التعامل مع الأزمة منذ لحظة حدوثها.

أمام هذا الواقع، لا تزال الفرصة أمامنا لنأخذ العبر من مصائر المجتمعات والدول والحضارات التي انهارت عبر التّاريخ التي يجب أن تبدأ من استعادة الدّولة لقرارها السياسي – السيادي، وهذا ما سيؤدّي إلى تنفيذ الإصلاح المنشود. لكن ما ينقصنا هو إرادة صنّاع القرار ورغبتهم في الإصلاح. وهؤلاء هم موجودون في الحكم. ما يعزّز فرضيّة السقوط أكثر. لأنّ المجتمعات لا تنهار إلا إذا تجاهلت أصوات نواقيس الخطر. فإذا لم نتعلم من الماضي، فنحن هالكون لا محالة. “فالظلم مؤذن بخراب العمران على حدّ ما قاله إبن خلدون. وهذا ما سنصل إليه لأنّ الظلم هو الذي يطغى اليوم.

ولعلّ أهمّ ما لاحظه ابن خلدون هو أنّ الدول تمرّ بعدّة تطورات من ناحيتين هما: الأحوال العامّة من السياسية والاقتصاد والعمران والأخلاق، والتطورات التي تحدث من ناحية العظمة والقوة والاتساع. ولبنان الدّولة عبر هاتين المرحلتين. لذلك بتنا أمام واقع جديد يتلخّص بعبارة: ” ماذا بعد؟ ”

ويقرّر إبن خلدون أنّ كل دولة تنتقل بين خمسة أطوار هي: الظفر، والانفراد بالمجد، ثم الفراغ والدعة، ثم طور القنوع والمسالمة، ثم الإسراف والتبذير. فلبنان الدّولة عبر هذه المراحل الخمس منذ زمن. ونهايتها كانت بالانهيار الاقتصادي. ومنذ ذلك التّاريخ يمرّ لبنان الدّولة في مرحلة سادسة وهي مرحلة التحلّل. ويبدو أنّنا بتنا في صلبها، لكن المريب ألّا أفق لنهايتها حتّى الساعة وذلك بسبب الارتباط الخارجي الذي نجحت هذه المنظومة بزجّ لبنان الدّولة في أتّونه.

ويربط ابن خلدون أطوار الدولة الخمسة بثلاثة أجيال فقط، فالجيل الأول يقوم بعملية البناء والعناية، والجيل الثاني يسير على خطى الجيل الأول من التقليد، أما الجيل الأخير فيمكن تسميته بالجيل الهادم، “فالدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص”، على حد تعبيره. ولبنان اليوم تجاوز المرحلة الأخيرة مع الجيل نفسه الذي بنى خطأ، وهو نفسه استكمل المسار الخاطئ حتّى استحال الجيل الهادم.

ويضيف مؤسس علم الاجتماع “بل إنهم مع هذا يحاولون إظهار القوة من خلال احتكار السلاح والجيش، وذلك لقمع الناس إذا أرادوا الثورة ومواجهة استئثار هذه النخبة الحاكمة للسلطة والثروة”. وهذا أصدق مثال على ما حدث في 14 آذار 2005 وفي 17 تشرين الأوّل 2019. يوم مارسوا عمليّة احتكار العنف عبر منظّمة حزب الله. ويكمل إبن خلدون: ” هذا المستبد سرعان ما يبدأ في جدع أنوف عشيرته وذوي قُرباه المقاسِمين له في اسم الملك، فيستبد في جدع أنوفهم أكثر مِن سواهم لمكانهم من الملك والعز والغلب”. فإذا تخلص الحاكم من أعوانه المقربين لم يشعر بالأمن -على حد ابن خلدون- بل على العكس، سرعان ما ينتابه القلق والخوف على مستقبل حكمه، واستمرار عرشه، ولا يجد أمام هذه المعضلة إلا قطع رؤوس مخالفيه، والحطّ من مكانتهم، والاستهزاء بهم، وإقصائهم بكل وسيلة ليبقى وحده دون منازع.

وأمام هذا الواقع ينقسم النّاس بحسب إبن خلدون إلى قسمين: شعب يستطيع أن يتدخل ويتجاسر للقضاء على هذه الفئة بالكلية، مكونا “عصبية جديدة” تستلم زمام الحكم وتملأ فراغ المتصارعين وتستغل اللحظة الحاسمة. أو نوع آخر يستسلم للإنقياد بالأمر الواقع. وعند القسم الثاني لا يزالُ أمر الدولة كذلك، وهي تتلاشى في ذاتها إلى أن تنتهي إلى وقتها المقدور. فلبنان في الحالة الثانية. ولا يستلزم صراعًا وإنما سقوطًا حرًّا لأسبابه الطبيعية. فهل يعقل المزيد من الانتظار القاتل بعد؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل