الاضطهاد الأسوأ في التاريخ

حجم الخط

على مدى الثلاث مئة سنة الأولى من التاريخ المسيحي، مرّت الكنيسة في ليل حالك السواد، وتعرضّت لشتى أنواع المهانة والهوان والعذاب، لكنها تجالدت وتداركت نفسها، تواصل مسيرتها، متكلة على الروح القدس. سلكت المسيحية طريقها بالرغم من فظاعة خسائرها ونفوذ مضطهديها وضخامة قوتهم، يتناقل أتباعها نسخ الأناجيل بسرية تامة، انتظارًا لتغير الأحوال.

لم يستوعب أحبار اليهود والقسم الأكبر من شعبهم في حينه، أن المسيح المنتظر حسب الوعد الإلهي الذي تكلم عنه أنبيائهم قد تجسد بالفعل، لإتمام الوعد الرباني الذي هو جوهر أسفارهم. رفض اليهود الواقع الرباني واعتبروا أن المسيح يهدد أساس دينهم وشرائعهم وينقض إيمانه وتعاليم أجدادهم والأنبياء.

كان هذا بالنسبة الى اليهود، أما بالنسبة الى العالم الإغريقي ـ الروماني الوثني، فإنه لم ير في الديانة المسيحية السامية الجديدة ما يغريه. كان الرومان يعتبرون أنفسهم أصحاب حضارة متقدمة عن غيرها، مستندة على الحضارة الإغريقية، فلم يكترثوا “بخطر” المسيحية في بدايتها، هذه المسيحية الساعية للبشارة بإله واحد تؤمن به، وهم أصحاب الآلهة المتعددة العريقة.

لكن السياسية الرومانية الوثنية بدأت بالتغيّر، بعد أن أخذت المسيحية تكسب الأرض سريعًا وتنتشر بثبات بين عامة الناس والفقراء والمهاجرين، فتحوّلت هذه السياسة الى عنفية ضد أتباع يسوع المسيح. كما قام المفكرون الرومان واليونان بمواجهة الدين الجديد مغالطين فكرة الإله الواحد، والحياة الأبدية. وكانت الأديان القديمة بالنسبة الى هؤلاء، تقترن بالأمجاد والقوة والتاريخ الفلسفي القومي الحضاري القائم على فلسفة العقل، وعبادة الشمس والطبيعة وعلى التقمص والجبروت.

افتتح الإمبراطور الذائع الصيت نيرون (54 ـ 68 م) الذي كان الخامس في ترتيب الأباطرة الرومان، بعد أغسطس وطيبريوس وغايوس كاليغولا وكلوديوس، سلسلة الاضطهادات التي دامت قرنين ونصف من الزمن، إذ وقع تحت تأثير زوجته المفضلة بوبايا اليهودية، فحدث أول اضطهاد رسمي عنيف في عهده، عندما أمر بإحراق الأحياء الفقيرة في روما حيث تقطن الأغلبية المسيحية والمهاجرين، وذلك في العام 63 ـ 64، وعندما ارتاع نيرون من غضب الشعب، ألقى تهمة الحرائق التي امتدت في كافة أرجاء العاصمة، على المسيحيين، وأمر بإبادتهم أينما وجدوا. وفي العام 67، حكم نيرون على القديس بولس الرسول بالقتل بحدّ السيف، وعلى القديس بطرس بالصلب رأسًا على عقب.

في ذاك الزمن، كانت الديانة المسيحية تنتشر أينما كان، في الشرق كما في الغرب، في أورشليم واليهودية وفينيقيا وقبرص وآسيا الصغرى وسوريا واليونان والحجاز واليمن والعراق وشمال أفريقيا والحبشة وأوروبا. وأظهر المبشرون نشاطًا كبيرًا، وكثر عدد الأنبياء بشكل كثيف، يساندون الرسل، الذين نقلوا البشارة وتعاليم الرب أينما وصلوا. وبالرغم من خسائرهم المتزايدة، أخذ المسيحيون الأوائل يواظبون على التبشير والصلاة، يترابطون بوشائح التعاضد والمحبة، فكان الميسورون منه يقدمون على اقتسام ما يملكون، لمساعدة إخوانهم بالمسيح الذين يعيشون الفقر.

عندما أخذت المسيحية تربح القلوب والمجتمعات بوتيرة تصاعدية، ومع انتشار نسخ الأناجيل، ازداد الأباطرة الرومان قلقًا، يساندهم كهنة اليهود النافذين والتجار، ما أدى الى حدوث الاضطهاد العنيف في عهد دومنيان سنة 95 م ضد المسيحيين، وكانت النتيجة سقوط ما يقارب المئة ألف شخص. وما إن حلّ عهد الإمبراطور تراجان سنة 102 م، حتى ازداد القتل والضيق على أتباع يسوع في أرجاء الإمبراطورية. وفي سنة 112 أصدر تراجان مرسومًا ينصّ على إجبار المسيحيين الخضوع للآلهة الوثنية والتنكر لديانتهم، وكان عقاب الرفض الموت بين مخالب الوحوش الجائعة في الحلبات العامة أمام الجمهور، خاصة في حلبة الكوليزيه في روما التي كانت فخر البناء الروماني.

يذكر المؤرخ ويل ديوارنت أن مجموع الشهداء المسيحيين في عهد الإمبراطور تراجان (98 ـ 117 م)، فاق العشرين ألفًا، كذلك في عهد الإمبراطور هادريان الذي خلفه (117 ـ 128 م). وفي زمن الإمبراطور أنطونيوس بيوس (128 ـ 161 م)، أصدر مجلس الكهنة الوثنيين مراسيم لمعاقبة الخونة الذين يرفضون تقديم شعائر الاحترام والذبائح للآلهة وللإمبراطور. عهد مركوس أوريليوس (161 ـ 180 م)، شهد هدوءًا نسبيًا، إذ اقتصرت الإجراءات على منع المسيحيين من التجوّل بحرية. كذلك، في عهد خليفته كومودوس (180 ـ 192 م)، حيث تفاوتت حدة الاضطهاد والملاحقات ضدّ المسيحيين المنهكين على أراضي الإمبراطورية، خاصة في الغرب، الذين عاشوا الرعب الدائم أينما حلّوا.

وفي عهد ديسيوس الذي تلى، تجددت الملاحقات بعنف وطالت المجازر مجموعات كبيرة من المؤمنين في جميع المقاطعات. أما الإمبراطور ديكيوس 250 م فقد تابع سياسة سلفه بإبادة التابعين للعقيدة المسيحية، حيث اضطر المؤمنون الى اللجوء الى أقبية روما ومجاريرها والى الأرياف النائية، يعيشون الخوف من جواسيس الدولة، حفاظًا على حياتهم وأطفالهم. وكان ديكيوس يجبر المسيحيين على تقديم ذبائح بشرية من أولادهم للآلهة، التي كانت تعترف بها الدولة، كما حظر عليهم الاجتماع أو التواجد في الأماكن العامة تحت تهمة التجديف، ما يعرضهم الى الإعدام الفوري في حال الشك بأنهم من أتباع يسوع.

لم يكتفِ خلف ديكيوس الإمبراطور فاليريان 257 م، بإرغام المسيحيين على تقديم الذبائح من أطفالهم، بل حظّر عليهم شراء المواد الغذائية والعمل حتى في المزارع، ما عرّضهم الى الضنك والجوع، وأمر بإحراق من يلقى القبض عليه متلبسًا بتهمة العمل.

وفي العام 275 م، استلم السدة الإمبراطور دقلديانوس الذي أمر بإحراق المنازل التي تحوم عليها الشبهة أنها أماكن مسيحية أو تمارس فيها الشعائر المسيحية في جميع أرجاء الإمبراطورية. في عهده تطورت أساليب التعذيب وتقنية مطاردة المؤمنين حيث كانت مخابرات الدولة تقوم بوضع إشارة الصليب على منازل وأماكن المشتبه بهم، فيعمد الجيش الى شنّ حملات الاعتقال ضدهم لتبدأ مرحلة العذاب والقتل، ومن الأساليب المعتمدة في حينه كان الوخز بالحراب ونزع الأظافر والكيّ بالحديد المحمّى وتمشيط الجسم بأظافر حديدية والتقديد بالأفران والشيّ على النار وقطع الأطراف وانتزاع العيون والألسنة وإدخال العقارب في فم الضحايا وربط المتهمين في الغابات بعد تجريح أجسادهم لتلتهمهم الضواري.

قبل اهتداء الإمبراطور قسطنطين الكبير الى المسيحية بإرادة الروح القدس في سابقة لم يسجلها التاريخ، وصل الاضطهاد الوثني ضد المسيحيين الى القمة زمن الإمبراطورين ديوكليشان ومكسيميان سنة 302 م، وقد أمرا بإحراق كل ما يملكه المسيحيون أو الذين يشتبه أنهم مسيحيون، وذبح الجنود الرجال أينما كانوا في أوروبا وإفريقيا والشرق وطبخوا الأطفال في قدوة كبيرة وباعوا النساء المسيحيات الى تجار الرقيق وبيوت الدعارة، وبتروا أعضاء من يشكون بأمرهم ودمروا ما تبقى من بيوت الصلاة في الغرب كما في الشرق، حيث تم إحراق كنيسة صور سنة 304 التي تأسس في ظلها أول بيعة مسيحية في لبنان، والتي زارها القديس بولس عدة مرات وصلى مع الأتباع، كذلك أحرقت كنائس بيروت والصرفند وصيدا وجبيل والبترون وطرابلس التي يعود تاريخ وجودها الى القرن الأول، والتي كان قد أسسها القديس بطرس، هامة الرسل، وسام عليها أساقفة. كما تم إحراق وتدمير عشرات الكنائس الأخرى في قبرص وسوريا وآسيا الصغرى واليونان وفلسطين.

اتضح للرومان، أنه على الرغم من ممارسة سياسة القتل والبطش المتبعة ضد العقيدة المسيحية المسالمة، استمرت هذه الديانة بالانتشار، خصوصًا بين الفقراء والمهاجرين والمهمشين الذين استهوتهم تصرفات المبشرين وتفسيراتهم وتفانيهم ووضوح أعمالهم واحترامهم للناس وشروحاتهم عن الفضائل الإلهية وفكرة المساواة بين الإنسان والإنسان والمحبة والوفاء والفداء والتضحية والغفران والعفاف، كذلك الرجاء والخلود والحياة الأبدية والعجائب والمعجزات التي اجترعها السيد المسيح.

ومنذ عهد الإمبراطور دقلديانوس 275 م، وهو الاضطهاد الأقصى في تاريخ البشرية، إذ بلغ عدد ضحاياه ما يقارب المليون شهيد في الإيمان، أضحى أكثر من ربع سكان أقاليم الإمبراطورية الرومانية الشرقية والغربية، من المسيحيين، وشعر الأباطرة الوثنيون أنهم بدأوا جديًا بخسارة معركتهم مع يسوع المسيح.

هكذا كانت الصورة في الإمبراطورية الرومانية حتى تولي الملك قسطنطين، مزيجًا من القتل والاضطهاد والخوف، إلى أن حلّت عليه النعمة وانقلبت الأوضاع يوم اهتدى الى المسيحية، بعد أن إضطهدها كما فعل أسلافه.

جو حتي ـ من كتاب: ملحمة الستة عشر قرنًا في التاريخ

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل