
يصعب الإلمام بمشروع سياسيّ فكريّ لبنانيّ مترامي الأهداف ومُحكم الإستراتيجيات كمشروع “القوّات اللّبنانيّة”. مع ذلك يمكن تتبّع مفاصله الأساسيّة من خلال محطّات ثابتة، ظلّت تسِم حضوره الوطني منذ الانتفاضة التّي فشّلت الاتّفاق الثلاثي بتاريخ 26 تشرين الأول 1986.
إنّ حضور القضيّة اللبنانيّة عبر هذا المشروع الفكريّ السياسيّ كملمحٍ ثابت، ظلّ يُلازم المقاومة اللّبنانيّة الحقّة ومساراتها. وربّما يكون الدكتور سمير جعجع الرجل الثاني بعد شهيد الجمهوريّة الشيخ بشير الجميل، الذّي رسّخ هذه القضيّة في السجّل السياسيّ الحديث، عندما تبنّى الفكر المقاوم لبطريرك الاستقلال الثاني مار نصرالله بطرس صفير. فقد أخرج القضيّة من قمقمها العقائديّ المستورد، وحوّلها إلى قضيّة عالميّة تُحرج ضمير رؤساء الدول الغربيّة، وتضع مشروعاتهم على محكّ الديمقراطيّة التّي يجدر بكلّ رئيس دولة يتغنّى بها أن يتّخذ موقفًا واضحًا لمصلحة لبنان، البلد الوحيد في الشرق الذي مارسها منذ استقلاله، فحراك اللّجنة الخماسيّة خير دليل على هذا الإحراج.
تعود أصول المشروع الفكريّ للمقاومة اللّبنانيّة إلى هدف نقل لبنان إلى عصر اتحاد الممالك الفينيقيّة، بين القرن السادس والقرن الرابع قبل الميلاد، وكانت “آثر” مدينة طرابلس عاصمته، ويمكن اعتبارها أوّل عاصمة أمميّة في التاريخ، وقد ساد الازدهار هذه الممالك في تلك الحقبة بسبب اتحادها المتين. فمفهوم التكامل بين شرائح المجتمع اللّبناني، قد شغل ذهن كلّ سياسي وطني إلى حدٍّ بعيد، بصوغ رؤية سياسيّة جامعة منذ ذلك الوقت إلى الآن، “الجبهة اللّبنانيّة” خير مثالٍ على ذلك.
أمّا الآن، فقد ظهر الغرض من مشروع “القوّات اللّبنانيّة” السياسيّ، من خلال تبنّيها الممارسات العقلانيّة التّي تنطوي عليها الحداثة السياسيّة، من أجل إخراج الديموغرافيا اللّبنانيّة من البدائيّة القبليّة والدينيّة التّي تعالت في هذا الوطن. حتّى لو أعادنا هذ التبنّي إلى عصر اتحاد الممالك الفينيقيّة بالممارسة، مع تطعيم هذه الممارسة بالوعي، كي لا يحدث شرخًا كبيرًا، كتألّب هذه الممالك على مملكة صور خلال مقاومتها للإسكندر المقدوني لاحقًا، وكما حصل مؤخّرًا مع الاحتلالين السوري والإسرائيلي.
لقد تصدّى حزب “القوات اللّبنانيّة”، عبر مساره السياسيّ للبلاغة السياسيّة البحتة التي ينطق بها سياسيو البلد من دون ترجمتها إلى أفعال، وعمل على إخراج المواطنيّة من بدائيّة الممارسات الحزبيّة إلى الحداثة المجتمعيّة الناشئة عن الوعي الوطني. حيث نبّه المجتمع إلى دعاوي الهيمنة والتضليل التي تسكن الخطاب السياسيّ المستورد، وفلسفته السياسيّة والدينيّة.
لقد كان هذا الحزب منكبًّا على تكوين مساره السياسيّ، والعلمي، والأكاديمي فور خروج رئيسه من السجن الذي خاض في مجاهله قضيّة سياسيّة شائكة، نتيجة رفضه إملاءات وشروط الاحتلال السوريّ الذّي دُعِيَ بـ”الوصاية” لتخفيف وطأته على عقول الضعفاء. وفجأة دوّت أصداء زلزلة النظام السياسيّ الذي كاد ينعيه وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان خلال زيارته الأخيرة إلى لبنان. من علامات هذه الزلزلة الفراغ في الرئاسة الأولى التّي ظهرت قبل اتّفاق الدوحة، وأصبح هذا الفراغ عرفًا يسعى إليه من بيده قرار البلد من دون وجهة حقّ، لأجل أجندة خارجيّة. وتوالى الفراغ وتوالت محاولات رتق النظام المهترئ. وكان اتّفاق معراب، لأنّه معروف من هي “أمّ الصبيّ”، فلتذهب الرئاسة إلى أي أحد، لكن المهم الحفاظ على وحدة لبنان.
غاص حزب القوّات، في كشف عمل الخطاب السياسيّ، وألاعيبه التّي حوت بلاغة وطنيّة من أجل إخفاء إرادة الهيمنة الخارجيّة التّي غطّاها هذا الخطاب. والمؤسف أنّ هذا الخطاب صدر عن عدّة جهات، أحدها من أمّن غطاءً لمن يؤمن بأيديولوجيّة دينيّة منبعها من خارج الاصطفاف الوطني، ويسعى إلى تعميمها على المجتمع بأسلوب الترغيب والترهيب. وكان قد قاوم الاحتلال السوري، وخاض حرب الإلغاء، ويسعى الآن إلى إلغاء الشرعيّة لصالح المشروع الخفي بين الفرس واليهود.
بعد أن بدأ سمير جعجع يشّق طريق النجاح من أجل وطن أفلاطونيّ، تنبّه إلى نقاط الضعف في اتّفاق معراب. وقد استفاد في ذلك من وضعه السابق كسجين أسطوريّ، فقد كان ينهل داخل سجنه من الثقافة الواسعة على جميع أنواعها، ومستجدّاتها الفلسفيّة التّي كانت شبه مجهولة في الأوساط السياسيّة اللّبنانيّة، إلّا عند بعض السياسيين الذّين كانوا على اطّلاع واسع بالثقافة العربيّة والعالميّة، كالوزير وليد جنبلاط، الذي قادته ثقافته الغنيّة إلى إبرام المصالحة التاريخيّة مع بطريرك الاستقلال الثاني، بين الموحدين الدروز والموارنة.
وعليه لم تبقَ المعرفة في فكر جعجع مجرّد تنظير أو ترف فكريّ، بل حوّلها إلى فعل سياسيّ بامتياز من أجل رفعة الوطن. واستعملها في تفكيك عُقَد الوعي الوطني للعيش المشترك، وتحليل سوء التفاهم المسيطر على العلاقات بين شرائح الوطن وطوائفه وثقافته المتنوّعة. من هنا ومن التجربة السابقة “اتّفاق معراب”، لن يعاود الكرّة، ويثق بمن هم غير سياديين؛ ولا أحد يعلم الظروف التي تجعل من الذي يدّعي الحفاظ على السيادة غير وطنيّ والأمثلة كثيرة.
إنّ “القوّات اللّبنانيّة” على معرفة واسعة بتاريخ لبنان الحديث، المقيّد تقييدًا شديدًا بعمليّات الاحتلال من قبل دول الجوار، والهيمنة الحاليّة الذي يتعرّض لها. لذلك يتحيّن هذا الحزب الوقت الملائم لفكّ هذه القيود تمامًا، وليس بوسع أي تنظيمٍ حزبيّ أنّ يتشدّد كثيرًا في هذه النقطة، لأنّ النّقص في الوعي الوطنيّ لصالح الطائفيّة، تجعلنا نواجه توترات طويلة الأمد، ربّما حروبًا لا نهاية لها؛ الأمر الذّي يعيه الدكتور جعجع جيّدًا.
بالنسبة إلى الجميع، أضحى حزب “القوّات اللّبنانيّة” النموذج الأبرز للأحزاب التي تسعى إلى مسار وطنيّ صحيح. لأنّه استطاع تحويل الغموض من جهل للاحتلال والهيمنة إلى حسٍّ وطني أخلاقيّ، وطريقة جديدة في تدبير البيت اللّبناني. وعليه أضحى نقاطًا اعتلاميّة إلزاميّة في كلّ خارطة طريق، لكلّ دبلوماسيّ يعمل على حلّ العقد اللّبنانيّة؛ فهل يدري “لودريان” وأترابه بهذا؟