#adsense

خاص ـ هكذا يُحوّل “الثنائي” التوافقية الى فدرالية

حجم الخط

فدرالية

ترتبط توافقية النظام السياسي في لبنان عضوياً بتعددية المجتمع اللبناني، فكل دولة تتكوّن من مجتمع تعددي مركّب، لا متجانس، ويحكمها نظام ديموقراطي، كما هو الحال في لبنان، تكون إمّا دولة فدرالية اتحادية مع وحدات جغرافية منسجمة مجتمعياً تمارس لامركزية سياسية ومالية وادارية مُعيّنة؛ وإمّا دولة موحدّة بدون وحدات مستقلة سياسياً وادارياً، ولكن مع آلية توافقية لاتخاذ القرارات داخل السلطة التنفيذية، بما يؤمن مصالح كل الجماعات التي تتكوّن منها هذه الدولة، من ضمن المصلحة الوطنية العليا.

في لبنان الذي يتكّون من مجتمع تعددي، قضت تسوية 1943 بالحفاظ على شكل الدولة الموحدّ، ولكن مع اعتماد النظام التوافقي لا الأكثري، بحيث تكون المواقع السياسية والدستورية موزعّة نسبياً بين الطوائف المجتمعية، والصلاحيات الدستورية بينها متوازنة، والقرارات داخل السلطة التنفيذية تتم بطريقة توافقية، مع منح الجماعات المتعددة التي تتكوّن منها الدولة حق الفيتو على كل قرار يمّس بمصالحها الحيوية داخل النظام.

كما قضت هذه التسوية بمنح الطوائف الدينية استقلالية في ادارة شؤون احوالها الشخصية وحق الفيتو على التشريعات اللبنانية التي تتعارض مع هذه الأحوال الشخصية، كتعويضٍ اراده المسلمون في مقابل موافقتهم على الاعتراف بدولةٍ لبنانية مدنية مستقلة ذات قانونٍ مدني لا ديني ولا اسلامي، ويرأسها رئيس مسيحي لا مسلم للجمهورية.

لقد زاوج المشترع اللبناني والانتلجنسيا المارونية والسنيّة على وجه التحديد، بين تعددية المجتمع اللبناني من جهة، وبين الرغبة في الحفاظ على الدولة الواحدة الموحدة من جهة ثانية، فولدت فكرة التوافقية التي كانت بمثابة معادلةٍ وسطية بين حدّين: الحّد الأول، وهو دولة موحدة والية اتخاذ القرارات بالأكثرية لا بالتوافق، بما كان سيُغلّب منطق الاكثرية العددية على التعددية المجتمعية، ويؤدي تالياً الى انفجار الكيان من الداخل؛ والحدّ الثاني، وهو دولة فدرالية ووحدات جغرافية طائفية مستقلّة، بما كان يمكن ان يؤدي مع الوقت الى تقسيم لبنان ونشؤ دولتين، واحدة مسيحية واخرى اسلامية.

لقد كانت التوافقية اذاً بمثابة صيغةٍ وسطية تحول دون انعكاس تعددية المجتمع على مستوى شكل الدولة الفدرالي، فأبقت على شكل الدولة الموحدّ وحافظت على حقوق الطوائف المتعددة ضمن نظام هذه الدولة الموحدة وصيغتها، من دون تمددّها الى الاطار الجغرافي، وتحويلها الدولة الى دولة فدرالية اتحادية لامركزية بالكامل.

هذه التوافقية كانت في اساس نشأتها حكراً على المسيحيين ككل من جهة، والمسلمين ككل من جهة ثانية، بدون تشعّبات مذهبية، وذلك بالنظر الى ان الطائفة المارونية كانت تمثّل الغالبية الساحقة من المسيحيين وتتكلّم بالإجمال بإسمهم جميعاً، فيما الطائفة السنّية كانت الطائفة القائدة التي تتكلّم نيابةً عن كل المسلمين. وبالتالي فالنظام التوافقي اعطى فيتوين، واحد للمسيحيين بيد الموارنة، والآخر للمسلمين بيد السنّة.

ولكن اعتباراً من ثمانينات القرن العشرين، ومع التحوّلات التي طرأت على الوضعية اللبنانية ديموغرافياً وسياسياً وامنياً وعسكرياً، برزت الشيعية السياسية كقوة جديدة تسعى لحجز مكان متقدم لها في النظام اللبناني، وعلى صعيد امتلاك الفيتو داخل النظام، بحيث تم لها ذلك، بدايةً، من خلال ابتداع مفهوم الترويكا الرئاسية، اي دولة بثلاثة رؤوس، وادخال رئيس مجلس النواب شريكاً مضارباً في السلطة التنفيذية؛ ولاحقاً، في مؤتمر الدوحة عبر الفيتو المُعطّل على تشكيل الحكومة، وهو ما ادى الى تراجع دور الفيتو السني بالتوازي مع تعاظم دور الفيتو الاسلامي ككل، وتراجع دور الفيتو المسيحي، كونه لم يعد يعمل في مقابل فيتو اسلامي واحد، بل في مقابل فيتوين.

لم تنتزع الشيعية السياسية الفيتو من خلال حضور الطائفة الشيعية الوطني فحسب، بل عبر طرق ووسائل بعضها غير دستوري، منها الاستفادة من الاحتلال السوري والتوسع الايراني؛ وامتلاك سلاحٍ غير شرعي، واستخدامه للترهيب والترغيب في اكثر من مناسبة؛ واستغلال الانقسام السياسي المسيحي والتحالف مع قسم من المسيحيين كان يشكل الاكثرية بدايةً، ثم استلحاق هذا القسم بعدما تحوّل الى اقليّة لاحقاً، بحيث كان هذا القسم يخدم عن وعي او عن غير وعي، مسألة استحواذ الشيعية السياسية على الفيتو وتعاظم قوة الفيتو الاسلامي في النظام، وتالياً إضعاف دور الفيتو المسيحي بالتوازي.

وبالتزامن مع هذا المسار، كانت الشيعية السياسية تشّق لنفسها مساراً فدرالياً خاصاً بها من ضمن الدولة الموحدّة اساساً، فاقتطعت لنفسها مناطق حكم ذاتي واقامت معابرها غير الشرعية ونظامها المصرفي الخاص، واقتصادها الموازي، وامتلكت سلاحها الخاص، بحيث كان هذا الأمر يعني امتلاكها حق الفيتو على كل القرارات في نظامٍ توافقي لدولة موحدّة، وانشائها بالتوازي فدراليتها الخاصة ضمن هذه الدولة، وإمساكها بسلاحٍ من حديد الدولة المركزية الموحدّة حتى تستغل مواردها وضرائبها ومعابرها لتغذية تلك الفدرالية من ناحية، ومن ناحية ثانية، منع الطوائف التأسيسية الثانية، بقوة الدولة المركزية من جهة، والسلاح غير الشرعي من جهة ثانية، من الخروج عن هذا الواقع باتجاه اعلان فدرالياتها الخاصة، كنتيجة منطقية وطبيعية لاختلال مبدأ التوافقية اللبنانية، وتسلّط طائفة واحدة على الباقين في نظامٍ توافقي متعدد الطوائف اقيم اساساً على مبدأ الحرية والتوازن والاستقرار والتناسب، وتالياً انهيار القواعد التعاقدية التي قامت الدولة اللبنانية على اساسها.

لقد تجاذب موضوع التوافقية في لبنان رأيان دستوريان: الرأي الأول يعتبر بأن التوافقية تفترض بأن يتشارك ممثلو الجماعات الطائفية باختيار ممثلي بعضهم البعض داخل السلطة، من اجل ايصال شخصياتٍ توافقية غير تصادمية ووصول النظام الى الشلل والتعطيل؛ ورأيٌ ثانٍ يقول بأن ترك المجال لكل جماعةٍ طائفية لكي تختار ممثليها بصورة حصرية سوف يؤدي الى إضعاف العصبيات الطائفية وليس العكس، على اعتبار ان اختيار كل جماعة طائفية مرشحها داخل السلطة يحول دون تعميق تعصبّها وغربتها عن الآخرين كونه يُعبّر بدقّة عن حاجاتها، وعن اختيار قياداتها التي تعكس صراحةً صفاء هذه الحاجات والتطلّعات، من دون ان “تُعكّر” صفوها مصالح الجماعات الأخرى.

من هنا، وبالعودة الى الأزمة الرئاسية الراهنة، فإن ما يقوم به الثنائي الشيعي يقع خارج هذين الرأيين الدستوريين تماماً، فهو لا يريد ان يتشارك مع ممثلي الطوائف الثانية في اختيار رئيس الجمهورية، وخصوصاً مع الطائفة المسيحية باعتبار موقع الرئاسة يخصها بالدرجة الأولى؛ ولا يريد ان يترك للمسيحيين حق اختيار مرشحهم داخل السلطة، وبالتالي فإن ما يقوم به هذا الثنائي يُعتبر خروجاً كاملاً عن مبدأ التوافقية التأسيسي للنظام اللبناني، وعن كل الاجتهادات الدستورية المتعلقّة بهذه المسألة الدقيقة.

وانطلاقاً من تمسكّه بالنائب السابق سليمان فرنجية كمرشح حصري ووحيد للرئاسة واقفال النقاش كلياً على اي ترشيحٍ سواه، فإن امتلاك الثنائي الشيعي للفيتو التعطيلي والذي يُعبّر عن نفسه دستورياً من خلال عدم تأمين نصاب جلسات الانتخاب، لا يقع ضمن خانة التوافقية اللبنانية كونه لا يسعى الى اسقاط مرشح الإجماع المسيحي للوصول الى مرشح توافقي، بل الى اسقاط مرشح الإجماع المسيحي وفرض مرشحه هو بالذات على الباقين.

وبالتالي فإن اصرار الثنائي على طاولة حوار رئاسية ومحاولة إحراج الجميع بها، يهدف في مكانٍ ما الى انتزاع تعهّد مسبق من بعض الكتل المسيحية بعدم مقاطعة اي جلسة انتخاب قد يخوضها فرنجية بمواجهة مرشح آخر، ممنّناً هذا الثنائي النفس بقدرته على اقناع بعض النواب او الكتل بالانضمام الى معسكر تأييد فرنجية، فيكون المسيحيون بذلك قد تخلّوا نهائياً عن الفيتو الممنوح لهم دستورياً في النظام التوافقي، واصبحت لعبة الرئاسة حكراً على الباقين، خصوصاً وأن حديث الثنائي المستمر عن أنه لا ثقة لهم بأي ماروني يصل الى الرئاسة، ولا يطعن “المقاومة” سوى بفرنجية، يعني بأن مرحلة ما بعد فرنجية ستشهد على مرشح شيعي لرئاسة الجمهورية باعتبار انه لن يكون هناك بعد فرنجية اي مرشح ماروني يمكن للثنائي الوثوق به!

من هنا فالفارق بين فيتو الثنائي واي فيتو مسيحي ومعارض يمكن استخدامه مستقبلاً، يكمن في ان الأول لا يُستخدم للتوافق بل للمرشح الواحد والفرض، بينما الثاني يُستخدم لإسقاط المرشح الطرف والتوافق على مرشح ثالث.

وبالتالي فإن إمكانية استخدام التكتلات المسيحية والمعارضة الفيتو الدستوري الممنوح للمسيحيين في النظام التوافقي لتعطيل اي جلسة انتخاب قد تأتي بمرشح الثنائي، لصالح مرشحٍ توافقي جامع، يبقى حقاً دستورياً قائماً بذاته، وغير مرتبط سببياً ولا جدلياً ولا موضوعياً بالفيتو الذي يستخدمه الثنائي لتعطيل جلسات الانتخاب ككل، تحت طائلة “فرنجية او الفراغ”، خصوصاً بعدما اثبتت الدورات السابقة عدم امكانية فوز فرنجية من جهة، وإصرار الغالبية الساحقة من المسيحيين على رفض هذا الترشيح، ليس لشخص فرنجية الذي يحظى بالتقدير والاحترام، بل للطريقة التي يتم فرضه بها على ارادة المسيحيين في ظروفٍ سياسية واقتصادية وامنية ووجودية دقيقة تحتّم التوافقية، لا التفرّد والاحتكار والفرض .

إن امعان الثنائي بضرب موضوع التوافقية بعرض الحائط، سواء لجهة التمسك بالسلاح والتفرّد بفتح جبهة الجنوب واستجلاب الموت والدمار والتعثّر الاقتصادي لأهل لبنان، او لجهة التفرّد في ايصال رئيس للجمهورية لا يريده السواد الأعظم من المسيحيين، او لجهة التفرّد وشبه التفرّد في آلية اتخاذ القرارات في نظامٍ توافقي بالأساس، او لجهة ابتداع بدعٍ واعرافٍ غريبة الأطوار تقضم من حضور موقع رئاسة الجمهورية، او سواها من الممارسات غير الدستورية وغير التوافقية وغير الشرعية، هي كلها بمثابة إحداث تحوّل في بنية النظام التوافقي باتجاه النظام الأكثري – الآحادي، في ظلّ مجتمعٍ لبناني ما زال يحتفظ بتعدديته ولم يصبح مجتمعاً متجانساً يتكامل مع النظام الآحادي الذي يسعى اليه الثنائي.

وهذا ما قد يؤدي الى حرمان الطوائف اللبنانية من حقها في تقرير المصير والمشاركة في القرار والحفاظ على ارادتها الحرة، بما يُسعّر الشعور الطائفي، ويدفع بالتوافقية التي اخرجها الثنائي من إطارها الدستوري والصيغوي والميثاقي كما كانت عليه منذ ال 43، للبحث عن جذورها الفدرالية الجغرافية باعتبارها المتنفس الوحيد وربما الأخير للمجتمعات المقموعة والمسلوبة حقوقها الأساسية، للتعبير عن ارادتها الحرّة وعيش ثقافتها بالطريقة التي ترتأيها مناسبة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل