
يتميّز رئيس الجمهورية في النظام اللبناني بكونه ممثّل المسيحيين من الزاوية التوافقية الميثاقية للنظام، انطلاقاً من صيغة 43 التي كرسّت موقع الرئاسة للمسيحيين، وضرورة ان يحظى بالميثاقية المسيحية وتأييد كتلة نيابية مسيحية وازنة او اكثر لوصوله؛ وكونه بالتوازي رئيساً برلمانياً من الزاوية الدستورية للنظام، يلعب دور الحكم بين اللبنانيين، ويتجلّى ذلك من خلال نصاب جلسة انتخابه بالثلثين التي يُفترض فيها ان يتشارك المسلمون والمسيحيين بهذا الانتخاب، بحيث يتحوّل هذا الرئيس، الذي هو بالأساس ممثّل المسيحيين في النظام، الى رئيسٍ توافقي يمثل السواد الأكبر من المسيحيين والمسلمين.
رئيس الجمهورية هو اذاً رئيس كل اللبنانيين ورئيس الدولة دستورياً، والرئيس المسيحي ميثاقياً وعرفياً وتوافقياً، واي إخلالٍ بهذين المرتكزين يؤدي: إمّا الى فراغٍ رئاسي مستدام يحول دون وصول اي رئيسٍ لا يلبّي هذين المطلبين بالأساس، او الى تعطيل دينامية النظام في حال تمكّن اي طرف بعينه من فرض رئيسٍ ضمن ظروفٍ استثنائية قاهرة.
صحيحٌ ان الدستور اللبناني لم يورد صراحةً عبارة “الرئيس الحكم”، غير ان المادة 49 منه اوردتها بشكلٍ غير مباشر من خلال تشديدها على ان “…رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدة وسلامة اراضيه وفقاً لأحكام الدستور”، وفي ذلك إشارة واضحة الى الدور الذي يجب ان يضطلع به، وهو دور الحكم بين مختلف الأفرقاء.
من هنا يتضّح لنا ان ترشيح الثنائي للنائب السابق سليمان فرنجية وتمسّكه به مرشحاً وحيداً يشوبه خطأٌ بالأساس.
هذا الترشيح يفتقر الى البُعد التمثيلي المسيحي في ظل الاعتراض المسيحي العريض على هذه الخطوة، وهو ما يحول دون وصوله الى هذا الموقع بالأساس: اولاً، انطلاقاً من نتائج تصويت الدورات ال 12 السابقة التي اظهرت ابتعاد ارقام فرنجية كثيراً عن الأكثرية العادية المطلوبة؛ وثانياً، انطلاقاً من الحق المشروع باستخدام الفيتو المسيحي عملاً بقاعدة التوافقية اللبنانية المكرسّة للمسيحيين بالعرف في كل ما يتعلق بموجبات الصيغة، ومصالحهم الحيوية داخل النظام، بغية تعطيل نصاب اي جلسة انتخاب قد تأتي بفرنجية رئيساً.
بالتالي فالخطأ في الأساس الذي يشوب ترشيح الثنائي لفرنجية والتمسّك “القهري” به، يتمثّل في ان الثنائي حرق ورقة الأخير مسيحياً حتى قبل ان يدخل ماراتون الرئاسة، فيما المنطق العرفي والميثاقي السليم كان يفترض بفرنجية ان يُعلن ترشيحه كمستقل او كمدعوم من قبل بكركي، او من قبل احدى الكتل المسيحية الكبرى او اكثر، ومن ثم يسعى لاحقاً للاستحصال على دعم الأطراف المسيحية والاسلامية، بحيث يكون الثنائي آخر من يعلن دعمه له لا اولهم، وذلك إمعاناً في تكريس استقلاليته اكثر فأكثر، والتشديد للرأي العام بأن مرحلة التصاقه بالثنائي كانت سابقة لترشحه للرئاسة، امّا المرحلة الحالية فتفترض الظهور بمظهر المرشح الوسطي التوافقي لا مرشح “الشيعية السياسية” الطرف.
اذا كان الثنائي يعتقد بأن قاعدة التعطيل والفرض التي طبقّها لإيصال ميشال عون الى بعبدا تنطبق على فرنجية، فهو يرتكب خطأً جسيماً في المقاربات، فبخلاف حالة العماد ميشال عون، الذي كان ينطلق نحو الرئاسة مستنداً الى بُعده المسيحي التمثيلي الذي يُلبّي واحداً من الشرطين الأساسيين لبلوغ موقع الرئاسة، فإن حالة فرنجية لا تفتقر الى البُعد التمثيلي المسيحي فحسب، بل تُثير اعتراضاً مسيحياً كبيراً بالتوازي.
ثم ان التعطيل والفرض الذي مارسه الثنائي لإيصال ميشال عون للرئاسة كان يحمل بُعداً سياسياً كونه كان موجّهاً ضد قوى 14 آذار بمسيحييها ومسلميها، وتالياً لم يكن يطال بنية النظام اللبناني ولا قواعده الطائفية التوافقية، بينما محاولة الفرض والإكراه اليوم وُجهتها إرادة الطائفة المسيحية المعنية الأولى بموقع الرئاسة، والتي ترفض غالبية منها ترشيح فرنجية، وهو ما يعني ان ترشيح الثنائي لفرنجية بالطريقة التي يتم فيها، يطال بنية النظام اللبناني، ويضرب الصيغة التوافقية في الصميم، وهنا الفارق الجوهري بين تمكّن الثنائي من ايصال عون، وإخفاق الثنائي مسبقاً بإيصال فرنجية.
مع ذلك، واذا سلّمنا جدلاً بفرضية وصول مرشح الثنائي الى موقع الرئاسة ضمن ظروفٍ استثنائية، فكيف للمرشح الطرف ان يلعب دور “الرئيس الحكم”، خصوصاً مع اعتراض السواد الأعظم من المسيحيين عليه ورفضهم توكيله للعب دور الحكم بينهم وبين المسلمين، او حتى لعب دور الحكم تجاه اي قضية دستورية وسياسية اشكالية قد يواجهها لبنان خارج اي قيد طائفي؟!
الرئيس الطرف هو اسير الأطراف التي اوصلته بالأساس، وليس حاجة مشتركة لكل الأطراف للخروج من دوّامة سياسية او دستورية معينة، ولا هو نقطة ارتكاز وطنية بين الجميع، وهو بالتالي مرتهن للطرف الذي اوصله، ويستحيل عليه لعب دور الحكم خصوصاً في ما يتعلّق بالمبادىء المطلقة غير القابلة للانقسام كالسيادة، والحرية والاستقلال، وخصوصاً ايضاً في ظلّ القدسية التي يُضفيها الثنائي على العديد من المواضيع الإشكالية، كامتلاكه السلاح، والصراع المفتوح مع اسرائيل، ووحدة الساحات، ومحور الممانعة، والتي تجعلها خارج اي نقاشٍ او حوار او تحكيم بالأساس.
أي موقف وسطي او “تحكيمي” او رمادي يمكن لهذا رئيس ان يتخذّه تجاه هذه المبادىء المطلقة غير القابلة للانقسام وغير القابلة للمساومة عليها، او اي موقفٍ وسطي تجاه مقدسات الثنائي، هو بمثابة خيانةٍ عظمى لهذا الثنائي لا يمكن لأي رئيس ارتضى بالأساس الوصول الى موقعه بقوة دفع الثنائي الآحادية ان يبدي اي نوعٍ من الاستقلالية، وسيكون نسخة طبق الأصل عن الرئيس السابق اميل لحود في علاقته بالنظام السوري.
بالتالي فإن مرشح الثنائي لن يستطيع ان يمارس دوره كرئيس حكم من الزاوية البرلمانية للنظام، كون هذا الدور سيُخسّره تلقائياً دعم الثنائي له، من دون ان يربح القاعدة المُقابلة، كونه لم يعتمد ادبياتها، بل انتقل الى الوسط في افضل الأحوال، وكونه جاء بمعزلٍ عن ارادتها بالأساس، خصوصاً وان المبادىء غير القابلة للانقسام والتي هي موضع انقسام كبير ويومي بين اللبنانيين، لا عد لها ولا حصر، تشكّل فتائل تفجير وطنية متواصلة في اي لحظة على الرئيس الحكم الحقيقي التصدّي لها باستمرار.
من هنا فإن افتقاد الرئيس للبُعد المسيحي التمثيلي يُفقده تلقائياً دوره كحكم تجاه المسلمين، اذ ان تمكن الرئيس من لعب الحكم بين اللبنانيين يفترض استحصاله على موافقة مسبقة من المسيحيين والمسلمين لهذا الدور، فإذا حرمه المسيحيون من هذا التوكيل، انتفى مبرر دوره تجاه المسلمين تلقائياً، كونه لم يعد يمثل المسيحيين في النظام ولا يتفاوض مع المسلمين بإسمهم لبلوغ حلول توفيقية، بل يمثّل نفسه ومن يقف خلفه سياسياً، وهذا ما حصل بالضبط خلال عهد الرئيس لحود، بحيث ان افتقاده للبُعد التمثيلي المسيحي نزع عنه صفة الحكم تجاه المسلمين، فأصبح مستلحقاً لقسم منهم (الشيعية السياسية) ومستعدياً للقسم الآخر(السنية السياسية)، وهذا بالضبط ما ينتظر اي رئيس قد يصل بدون الغطاء الميثاقي المسيحي.
من جهة ثانية، صحيحٌ ان رؤساء الجمهورية قبل الحرب لم يكونوا الزعماء السياسيين والشعبيين الأقوى في طوائفهم، غير ان وصولهم الى موقع الرئاسة جاء بدعمٍ من كتلةٍ مسيحية سياسية ونيابية وشعبية وازنة، او اكثر.
الرئيس شمعون اصبح رئيساً للجمهورية بزخمٍ شعبي عابر للطوائف عبّر عن نفسه من خلال تظاهراتٍ نادت بإسقاط عهد الرئيس بشارة الخوري المُمدّد له، وخصوصاً لما اتُهم به من فساد ومحسوبية؛ والرئيس فؤاد شهاب وصل بدعم حزب الكتائب اللبنانية الذي كان يمثّل جزءاً وازناً من المشروعية الميثاقية المسيحية حينها؛ والأمر ذاته انسحب على الرئيس شارل حلو؛ والرئيس سليمان فرنجية بدوره، لم يكن ليصل الى موقع الرئاسة لولا دعم الحلف الثلاثي المسيحي شمعون-ادّه-الجمّيل.
بالتالي، صحيحٌ ان السوابق الرئاسية لم تكن تأتي بالزعيم الأقوى مسيحياً الى موقع الرئاسة، غير انه لم يسبق ان وصل اي رئيسٍ الى موقعه بدون دعم وتأييد كتلة مسيحية وازنة على الأقل، واكثر من ذلك، لم يسبق ان اوصل غير المسيحيون رئيساً الى موقع الرئاسة المخصص للمسيحيين غصباً عن ارادة الغالبية الكبرى منهم، كما يحاول الثنائي فعله اليوم.
ختاماً، اذا كان المسيحيون قد تقبلّوا التنازل عن الكثير من الصلاحيات الرئاسية في الطائف بفعل انقسامهم من جهة، وموازين القوى السورية من جهة ثانية، ورغبة منهم بمنح المسلمين الصلاحيات التي يطالبون بها منذ ما قبل 75، لتسيير عجلة النظام واعادة احياء وانعاش وحدة لبنان ومبدأ العيش المشترك من جهة ثالثة، لكنهم لن يُفرّطوا بما تبقى لهم من رئاسة بما اؤتوا من قوةٍ ووحدة، ولو لمجرد قضيةٍ واحدة فقط.
المصيبة تجمع، والصراع بين المسيحيين حول الحصص والمناصب والتوجهات يتعلّق ببُعد، امّا ارتضاؤوهم بالانتقاص من كرامتهم كشركاء ميثاقيين في النظام اللبناني، والسطو على مواقعهم الدستورية فهذا بُعدٌ آخر مختلف تماماً.
إن ما تبقّى لهم من صلاحياتٍ رئاسية ومن رمزية لموقع الرئاسة في ظل اخطار وجودية تعصف بالحضور المسيحي في هذا الشرق بفعل الاصوليات يميناً ويساراً، يفرض التوحّد من اجل التصدّي لمنطق الفرض والإكراه للاستيلاء على موقع الرئاسة، ليس اعتراضاً على شخص فرنجية ابن العائلة المارونية العريقة، بل رفضاً لهذا الاسلوب الاستعلائي القهري “النيو-مملوكي” الذي اراده اصحابه بألاّ يأتي بفرنجية رئيساً بالأساس، وإلا سلكوا الطريق السليم، بل لمجرد التهويل والضغط للاستحصال على مكاسب ثانية، وهو ما يفترض بإن زغرتا المباركة ان يعترض عليه قبل الجميع، حتى يُصار الى اعادة تصويب هذا الترشيح بما يتكامل مع كل المبادىء والاعراف الدستورية والتوافقية التي تُعيد للمسيحيين الثقة بروحية لبنان الكبير، بدل ان يكفروا بكل ما تبقّى من وحدة وطنية وعيش مشترك، ويذهبوا مُكرهين الى تركيبة جديدة ولبنان جديد.