Site icon Lebanese Forces Official Website

لبنان في العالم ـ جوزيف الخوري.. تميّز لبناني بأهم الصناعات العالمية

الدكتور جوزيف الخوري

لم يكن سهلًا على الدكتور جوزيف الخوري أن يحمل لبنان أينما حلّ في هذا الكون الشاسع. إنه العبء الجميل وإن كان ثقيلاً. فمن لبنان، بلد التحديات والصعوبات والعثرات، الى التميّز بين الملايين ممن تُقدم لهم بلدانهم كلّ مقومات النجاح، برز الدكتور جوزيف الخوري في عالم التكنولوجيا والميكاترونيك (Mechatronics) وتطوير الأنظمة الإنتاجية للشركات العالمية التي عمل معها، مسطرًا مرحلة جميلة في تاريخ الصناعة الحديثة، التي غزت معداتها الكرة الأرضية.

35 عامًا من العمل وفكّ الرموز الصناعية… إبداع في عالم الإنتاج ترجمته الأرقام والربحية التي زادت 12 بالمئة، إضافة الى تسجيل 14 براءة اختراع في مجال الميكاترونيك (Mechatronics)، وتصميم وهندسة وإنتاج معدات ميكاترونيكية للمعدات الأساسية، إذ شكل سوق السيارات 60% من حجم الأعمال، فيما توّزع الـ40% على القطاعات الأخرى. ولمن يسأل ماذا يعني المجال الميكاترونيكي، إنه ببساطة اختصاص جمع الميكانيك والإلكترونيك ببعضه البعض. هذه باختصار مسيرة عمل اللبناني، الدكتور جوزيف الخوري، أحد القادة الصناعيين العالميين.

من لبنان الى ألمانيا، انتقل الخوري في العام 1986 ليكمل دراسته، فحاز في العام 1990 على شهادة الهندسة الميكانيكية، مفتتحًا مسيرة عملية وصناعية مليئة بالتحديات. لكن قبل ذلك، لم يتوانَ الشاب الطموح عن واجبه الوطني، وشكل استشهاد ابنا عمه بداية الحرب اللبنانية، علامة فارقة في قراره للانضمام الى صفوف المقاومة اللبنانية.

ابن حارة حريك الذي ولد في العام 1963، نشأ مع شقيقتين أكبر سنًا وأخ أصغر، وكان للتربية التي تلقاها، والتي قامت على القيم والإنسانية والاحترام والإخلاص للكنيسة، الأثر الأكبر في حياته. مجهود الوالدين ركّز أيضًا على التعليم الذي شكّل حجر الزاوية في تربية الخوري. من الـ”أبوتر” (Collège Notre Dame des Apôtres) فـ”الحكمة”، وبعدهما “الجمهور” (Collège Notre-Dame de Jamhour) حيث تخرج، إلى ألمانيا، هناك، حاز على شهادة في الهندسة الميكانيكية في العام 1990 وبدأ مسيرته المهنية التي زادته إصرارًا على مواصلة التحصيل العلمي.

إذًا، لم يقف التزامه بالعمل وبشروطه الصعبة، حائلًا أمام مسيرته الأكاديمية، فحاز أيضًا على شهادة في الاقتصاد الهندسي، لينتقل في العام 1995 مع شركة Eaton إلى الولايات المتحدة الأميركية، محصلًا درجة الماجستير في الهندسة الميكانيكية، وبعد أكثر من 17 عامًا، وتحديدًا في العام 2012، دكتورا في الهندسة الصناعية من جامعة، Louisville في كنتاكي.

“لقد طبعت فلسفة والدي في شخصيتي وأثرت على وجهة نظري في الحياة. قال لي يومًا، ما تفعله في الحياة يتردد صداه في الأبدية. كان مقتنعًا أن المال لا يدوم، لكن الأفعال والكلمات التي نتركها خلفنا هي التي تبقى وتؤثر في مجتمعنا. علّمني والدي درسًا مؤثرًا عنوانه أن ثروة الإنسان لا تقاس بالممتلكات المادية، لكن بعدد الذين سيحضرون جنازته. كان إيمانه وهدفه الاستمرار في فعل الخير لمن هم حولنا، لأن ذلك بالنسبة اليه، يجسّد حب الوطن والاعتزاز بتراثنا الماروني”، يقول الخوري في حديث خاص لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني.

قبل التألق العلمي والعملي ومغادرة لبنان، انخرط الخوري بقوة في المواجهات التي كانت دائرة في بلد الأرز. لم يتردد على الرغم من معارضة والدته ورفضها. لم يخف أو ينكفئ. حمل فخره بهويته متسلحًا بتشجيع والده الذي قال له “هذا البلد يحتاج إلى رجال مثلك، أنا فخور بك”، وانضم الى الآلاف مدافعًا عن القضية. استرجع طفولته التي عاشها مع ابني عمه اللذين كانا بمثابة أخويه، عند استشهادهما. هاله سقوط أحدهما رميًا بالرصاص على جبهة الناعمة، بداية الحرب، ومقتل الآخر في العام 1978 بطلق ناري. “تضحياتهما أثرت بي، ما زاد من عزمي على اتخاذ القرار، فإذا لم تكن خسارتهما حافزًا كافيًا بالنسبة لي للانضمام إلى القتال، ماذا يمكن أن يكون بعد أيضًا لأفعل”، يقول الخوري، الذي يلخص مسيرته النضالية بالتالي: “بدأت نضالي الحزبي رسميًا في العام 1983، من الأشرفية، والتزمت بعد ذلك بمضاض الدروع في بلونة، كما أنني خدمت القضية بكل جد وتفانٍ حتى غادرت لبنان في العام 1986.

عام 2003، أثناء إقامتي في ألمانيا، انضممت إلى القوات اللبنانية. وكانت العلاقات العامة محور اهتماماتي الحزبية، كما تم ترشيحي الى منصب رئاسة منسقية القوات اللبنانية هناك، إلا أن ظروف عملي ومتطلبات سفري الدائمة بين المكسيك والصين والولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، للعمل، عرقلت مهامي الحزبية، إذ وجدت نفسي عاجزًا عن تخصيص الوقت اللازم للوفاء بمسؤولياتي. وبقلب مثقل، اتخذت قرار التنحي، منطلقًا من ضرورة التفاني المطلوب للقيادة العامة. كان قرارًا صعبًا، لكنه ضروري”.

قرار الخوري مغادرة لبنان بداية في 13 كانون الثاني 1986 لم يكن مدفوعًا فقط بطموحاته الأكاديمية، إنما أيضًا بسبب انزعاجه العميق من أجواء الحرب، فقرر البحث عن بيئة أكثر أمانًا واستقرارًا لبناء مستقبله، لكن أحداثًا وتجارب شخصية أخرى، عمّقت قراره هذا، وقد بدأت بمأساة فقدان طفله الأول في العام 1989، كما وفاة والديه (2003 – 2005). “شكلت هذه التجارب، الوطنية والشخصية، وجهات نظري وخياراتي، وأرشدتني نحو طريق البحث عن السلام والمشاركة البناءة، سواء في حياتي الشخصية أو في مساهماتي في المجتمع”، يؤكد الخوري.

بدأ الخوري مسيرته المهنية في صناعة السيارات عام 1989 كمهندس لدى شركة تصنيع ألمانية. وفي العام 1998، وكان قد انضم إلى شركة Electronics International Methode، بدأ بصعود السلم، درجة درجة، ليعّين في العام 2015، مديرًا للعمليات (COO) للمجموعة بأكملها. قبل هذا المنصب، وتحديدًا في العام 2000، عاد من الولايات المتحدة إلى أوروبا، للمساهمة في تطوير المنشأة الألمانية وتوسيعها، وقد تميزت مرحلة قيادته لفريق المبيعات والهندسة بزيادة المبيعات الإقليمية من 30 مليون دولار إلى أكثر من 200 مليون دولار سنويًا. هذا النجاح دفع بالشركة الى ترقيته إلى منصب نائب الرئيس للمنطقة الأوروبية. بعد ذلك، عيّن مديرًا تنفيذيًا عالميًا للعمليات، وانطلاقًا من الخبرة والإنجازات المذكورة، قاد الدكتور الخوري فرق Methode Electronics الدولية، ما أدى إلى توسيع نطاق الشركة العالمي، كما زيادة الأرباح بشكل كبير.

الوصول إلى منصب كبير كرئيس تنفيذي للعمليات في شركة عالمية مثل Methode لم يكن كمن يأكل المنّ والسلوى، بالنسبة الى الخوري. لم يتوقف الموضوع على ضرورة المثابرة والعمل الجاد، إنما تطلب نهجًا متعدد الأوجه للتطوير الشخصي والمهني. يقول: “قبل كل شيء، كان التركيز أساسيًا. في بيئة سريعة الخطى، في قطاعي السيارات والتكنولوجيا، كان الحفاظ على التركيز الشديد على المهام المطروحة، وعلى الأهداف الإستراتيجية أمرًا ضروريًا. ساعدني ذلك على التغلب على تعقيدات الصناعة واتخاذ قرارات مناسبة دفعت بالشركة إلى الأمام. العمل الجاد من المسلمات في أي تقدم وظيفي، لكن تطوير هذا الجهد هو ما ميزني. خصصت ساعات لا تحصى ولا تعد لفهم كل جانب من جوانب العمل، بدءًا من التفاصيل الدقيقة للهندسة وحتى الخطوط العريضة لديناميكيات السوق العالمية. مع ذلك، فإن الوصول إلى منصب رفيع لا يتعلق فقط بما تفعله في العمل، لأن التوازن بين العمل والحياة اليومية أمر بالغ الأهمية. كان من أولوياتي إعطاء الوقت الكافي للعائلة والأصدقاء، وقد ساعدني هذا التوازن على البقاء ثابتًا ومنعني من الإرهاق. ولأن حياتي الشخصية كانت مرضية، كان العودة إلى العمل بنشاط وتركيز والاستعداد على مواجهة تحديات اليوم، أمرًا طبيعيًا”.

يتوقف الخوري عند التعلم المستمر والقدرة على التكيف، مؤكدًا أن هذين العنصرين كانا أساسيان أيضًا في تقدمه مهنيًا. “يتطور قطاع التكنولوجيا بسرعة، والبقاء في المقدمة يعني تحديث المهارات والمعرفة باستمرار. لعب التواصل داخل الصناعة أيضًا دورًا محوريًا. فبناء علاقات قوية مع الزملاء والوافدين الجدد، ساهم بخلق فرص لم تكن واضحة دائمًا داخل شركتي”، يلفت الخوري الذي يضيف: “عندما تقاعدت في كانون الثاني من العام 2024، لم أبتعد عن عالم الاحتراف. انتقلت إلى مجال الاستشارات، مستفيدًا من خبرتي ورؤيتي لمساعدة الشركات العالمية الأخرى، ومركزًا أيضًا على الاستثمارات، لا سيما في القطاعات التي أعشقها مثل الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذا القرار لا يبقيني منخرطًا في الصناعة وحسب، إنما يسمح لي أيضًا بالمساهمة في المجالات الحيوية للتنمية المستقبلية.

باختصار، الجمع بين الاستراتيجيات والتركيز والعمل الجاد والتوازن والتعلم المستمر والقدرة على التكيف والتواصل، كلها عوامل مكنتني من الوصول إلى منصب رفيع داخل الشركة والحفاظ عليه، كما الاستمرار في المساهمة بشكل هادف حتى بعد التقاعد”.

السلم الذي تسلقّه الخوري في عالم المال والصناعة وتكنولوجيا الأعمال، دفع برئيس مالطا جورج أبيلا الى تكريمه، فاستحق وسام الاستحقاق الوطني المرموق ووسام الخدمة لجمهورية مالطا، خلال حفل تنصيب أقيم في قصر فاليتا، علمًا أن لهذا الوسام، مكانة خاصة في نظام الشرف في مالطا، وهو يعطى تكريمًا للمواطنين المالطيين الذين يتفوقون في مختلف المجالات، تجسيدًا لشعار “Virtute et Constantia” أي الشجاعة والمثابرة.

وعلى الرغم من أن هذه الجائزة مخصصة عادة للمواطنين المالطيين، إلا أن الخوري حصل على عضوية فخرية نادرة، هي بمثابة شهادة على تفانيه وجهوده الاستثنائية في حماية مصالح مالطا وشعبها خلال الأزمة المالية العالمية في العام 2009، إلى جانب جهوده في تعزيز ورعاية العلاقات الدولية.

ولأن العمل التكنولوجي الميكاترونيكي يستحق كلّ اهتمام، شارك الدكتور الخوري إلى جانب الدكتور رامي حريق، بإعداد كتاب “التصنيع في مواجهة الفساد: من يفوز؟” متكئَا على خبرته الطويلة خلال خمسة عقود، في مجال الهندسة والتصنيع والتعقيدات الصناعية.

على الرغم من تميزه وتحقيق ذاته على الصعيد العالمي ومع أهم الشركات، لم يغب لبنان عن فكر ومشاريع الخوري، “فكّرت بمشاريع واستثمارات مختلفة للبنان، لكن نقص الدعم من الجهات الرسمية كما من الشركاء المحتملين الآخرين، صعّب المضي قدمًا في تنفيذ هذه الخطط”، يوضح الخوري، الذي عاد وبحث عن بدائل فكانت مصر الوجهة. “قررت الشركة التي كنت أعمل بها سابقًا الاستثمار في مصر، حيث أنفقنا أكثر من 150 مليون دولار على مشروعات تتعلق بالتعليم ونقل التكنولوجيا. يعمل بهذه المشاريع الآن حوالي 1400 شخص، إضافة الى أصول تزيد قيمتها عن 300 مليون دولار. وعلى الرغم من النجاح الذي حققته في مصر، كان قرار تحويل اهتمامي بعيدًا من لبنان مؤلمًا بالنسبة إليّ”، يلفت الخوري.

وكما كان الخوري وفيًا لإرث عائلته ولقضيته ولعمله، كذلك هو وفيّ للبلد الذي شرّع أمامه أبواب التألق والنجاح. “احترامي لألمانيا وشعبها عميق، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى التجارب الإيجابية التي عشتها في هذا البلد. تعلمت الجوهر الحقيقي للانضباط، وهي قيمة غرستها فيّ تعاليم والدتي، لكنني أدركتها بالكامل وصقلتها من خلال تجاربي في الخارج. كما كان لبنية المجتمع الألماني، لا سيما في النظام التعليمي، الدور الحاسم في تأسيس حياتي المهنية، ولا بدّ من الإشارة هنا، الى أن لا رسوم مالية على التعليم، هذا الأمر ساعدني كثيرًا، نظرًا إلى الظروف الاقتصادية التي تركتها ورائي في لبنان”، يجزم الدكتور الخوري.

ولكن، هل تمكنت من استثمار النجاح الذي حققته في يومياتك؟ “بالتأكيد”، يجيب الخوري ويضيف: “إذا نظرت الى رحلتي في هذه الحياة، أجد أن الأساس القوي الذي وضعه والداي كان له دور فعال في نجاحي المهني. أعطتني نشأتي المرونة، كما زودتني ببوصلة أخلاقية قوية، وهي صفات صقلتها أكثر خلال وجودي مع “القوات اللبنانية”.

تجربتي الشاقة في لبنان، تُرجمت بشكل جيد في بيئة الأعمال، وتمكنت من إدارة ضغوط حياتي المهنية. قدرتي على التكيف والقيادة، أثمرت عملًا ناجحًا امتد لـ25 عامًا في الشركة نفسها، حيث تبوأت في النهاية منصب الرئيس التنفيذي للعمليات (COO)، وهذا المنصب، هو تتويج للمهارات والقيم التي غُرست فيّ منذ صغري، إضافة الى التجارب الكثيرة التي علمتني أهمية التفكير الاستراتيجي والمرونة والحسم”، يوضح الخوري.

بعد أشهر قليلة على تقاعده، يحرص الخوري على تخصيص الوقت الكافي لعائلته، المؤلفة من أربعة أولاد وثلاثة أحفاد مقيمين في ألمانيا. لكن نشاطه وطريقة حياته، جعلاه يقسم وقته بين مصر وألمانيا والمكسيك ولبنان، حيث يتابع الفرص الاستثمارية المحتملة، ما يتيح له البقاء على اتصال باهتماماته المهنية كما الاستمتاع بملذات الحياة العائلية. “خلال مسيرتي هذه، لا يمكنني إلا أن أشكر أخي وأخواتي على كل الدعم المعنوي الذي قدموه لي منذ انطلاقي في مسيرتي المهنية لغاية الآن، كذلك أولادي وزوجتي التي تبقى اليوم الى جانبي، تشاركني هذه الأيام الهادئة والمُرضية. معًا، نبحر في هذا الفصل الجديد من حياتنا، ونستمتع بمكافآت عملنا الشاق ونعتز بكل لحظة نقضيها مع أحبائنا”، يختم الدكتور الخوري.

Exit mobile version