
أعطى دستور 1926 وتعديلاته لسنة 1927 موقع رئاسة الجمهورية صلاحياتٍ دستورية استثنائية، وجعل هذا الدستور من النظام اللبناني نظاماً شبه رئاسي مستوحى من نظام الجمهورية الثالثة الفرنسية، بحيث تم تخصيص هذا الموقع من نصيب المسيحيين عرفاً، انطلاقاً من عوامل عدّة:
أولاً، تحالفهم التاريخي الاستراتيجي مع فرنسا بوصفها واحدة من دول التحالف المنتصرة على العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وتالياً ارتفاع رصيد المسيحيين بقيادة الموارنة استراتيجياً في المنطقة.
ثانياً، تفوقّهم العددي على المسلمين في دولة لبنان الكبير، بحيث إن العامل الديموغرافي كان يصبّ لصالحهم حينها.
ثالثاً، تمتّعهم بالمشروعية التاريخية لإدارة دفّة الحكم في دولة لبنان الكبير، بفعل تمرسّهم في شؤون الحكم والإدارة، أقله منذ القرن السادس عشر، بوصفهم مستشارين ومعاونين للأمراء المعنيين، وبمثابة سفراء وموفدين وهمزة وصل الأمراء مع الدول العظمى في أوروبا حينها، ولاحقاً للشهابيين المتنصّرين، ومن ثم دورهم المحوري في عهد القائمقاميتين، وبعدها المتصرفية، وصولاً الى عام 1920 تاريخ إنشاء لبنان الكبير.
رابعاً، تمتّعهم بالكفاءة والأهلية العلمية والثقافية والمعرفية التي تخولّهم تولّي شؤون الحكم وإدارة المؤسسات في الدولة، بفعل أسبقيتهم التاريخية في مضمار العلم والثقافة والطباعة.
خامساً، تمتّعهم بالإمكانيات المادية، انطلاقاً من انتشارهم الاغترابي اعتباراً من سبعينيات القرن التاسع عشر، وإرسالهم الأموال إلى ذويهم في لبنان لشراء الأراضي وتحسين مستوى العيش، وتوفير رؤوس الأموال لإنشاء المصالح الصغيرة والكبيرة، وتقديسهم العمل، وإلمامهم بكل الأعمال والمهن، من الفلاحة والزراعة إلى الحِرَف على أنواعها، وصولاً إلى التعليم والطبابة والهندسة والصيدلة والمحاماة وتجارة الحرير وسواها، بحيث أمّنوا توازناً مادياً اقتصادياً عملياً حال دون إحداث فراغٍ في أي جانب من جوانبهم الحياتية والجغرافية والاجتماعية، تكرهه الطبيعة وتسعى لملئه بالعناصر الأخرى المتوفرّة، فكانوا الأطباء والمهندسين والمفكرين والإداريين الراسخين في العلم، والفلاحين والمزارعين المترسّخين في أرضهم على حدّ سواء.
سادساً، احترامهم للأنظمة والقوانين طيلة تاريخهم المديد، وميلهم الفطري لأن يكونوا مسالمين. فالعامل المجتهد الذي يأكل خبزه بعرق جبينه، كما كان عليه المسيحيون والموارنة، هو أكثر من يحترم القوانين وينأى بنفسه عن المخالفات، وبالتالي فهو الأكثر استعداداً وتهيئةً ذهنياً وتاريخياً واجتماعياً للإنضواء ضمن دولةٍ وطنية على النمط الحديث، مثلما كانت عليه دولة لبنان الكبير وقتها، واحترام قوانينها، بخلاف جماعاتٍ ثانية كان يغلب عليها الطابع العشائري، بحيث كانت تعّج بالمسلحين والطفّار إلى المغاور والجرود، فلم تكن مثل هذه الجماعات مهيّأةً أصلاً لتقبّل فكرة الدولة، وخصوصاً أن هذه الفكرة هي فكرة مسيحية غربية بالأساس، تنادي بالمواطنة والمساواة، وتعمل وفق مبدأ الثواب والعقاب، بحيث أنها تتعارض جوهرياً ومنهجياً مع المفاهيم العشائرية من جهة، والعقائد الدينية غير المسيحية، التي تنادي بمفهوم الأمة من جهة، وبعدم المساواة بين المواطنين على أساس الدين، من جهة ثانية.
سابعاً، عرف المسيحيون، وخصوصاً الموارنة، الأنماط الأولية للإلتزام المؤسساتي والانضباط والهرمية الإدارية والمؤسساتية، من خلال علاقتهم العضوية والتفاعلية والتشاركية بالرهبنة المارونية اللبنانية وأديرتها المنتشرة في معظم لبنان، والتي اُسست أواخر القرن السابع عشر، ومزجت العلم بالدين، والتنوّر بالتقوى والإيمان، والبحبوحة الزراعية والاقتصادية بالزهد والتقشف وشظف العيش، فخرجت للموارنة بتوليفةٍ حضارية متوازنة شكّلت قوة دفعٍ ذاتية باتجاه إنشاء دولةٍ لبنانية متطورة في شرقٍ يغرق في ظلاميته وظلامه، وبحيث كانت هذه التجربة بمثابة التمرين الأولي للموارنة للانخراط ضمن المؤسسات الدولتية والالتزام بقوانينها واحترام تسلسلها الهرمي والاداري، بخلاف ما كانت عليه أحوال طوائف ثانية لم تكن مُهيّأة لاستنباط هكذا توازنٍ دقيق.
لهذه الأسباب وسواها، كان المسيحيون مهيّئين عن جدارة لتولّي مقاليد الحكم في دولة لبنان الكبير والاستحواذ على الجزء الأكبر من الصلاحيات الدستورية. بالتالي، هذه الأسباب مثلّت جذور ما سُمّي بالمارونية السياسية، والتي كانت دولة لبنان الكبير بديمقراطيتها وتعدديتها وحريتها وتطورها الاقتصادي والحضاري، واحدة من ثمارها الموضوعية الكثيرة، أملاً منها في رفع شأن كل المنضوين الجدد إلى هذه الدولة وانتشالهم من حرمانهم وجهلهم وبؤسهم وعشائريتهم ومسلّماتهم الالهية، بما لها من انعكاسٍ سلبي على نمط عيشهم وتفكيرهم وتحصيلهم العلمي وتطورهم الذاتي.
مع ذلك، هذه الدولة تنازلت عرفاً للمسلمين اللبنانيين عن نصف صلاحياتها داخل النظام عام 1943، بحيث أصبح النظام توافقياً، ورئيس الجمهورية يمارس صلاحيات توفيقية أكثر منها دستورية، وبالتفاهم والمشاركة مع رئيس الحكومة بصفته ممثل المسلمين في النظام، في مقابل اعتراف المسلمين، وخصوصاً الطائفة السنية القائدة، بنهائية الكيان، وبمبدأ لا شرق ولا غرب المساوي لمبدأ حياد لبنان، وبهوية لبنان ذو الوجه العربي، وهذا ما حصل بالفعل، وتكرّس نهائياً مع الرئيس رفيق الحريري، حتى وإن شابت هذه الموافقة خروقاتٍ من هنا وهناك، بفعل التأثيرات الفلسطينية والسورية والناصرية على المسلمين السنّة من جهة، وجنوح المسيحيين الزائد نحو التطرّف في نفي عروبة لبنان، والتشبثّ بهوية لبنان اللبنانية، بما يُعتبر تجاهلاً لهوية المسلمين العربية، وعدم احترامٍ لإرادتهم، تماماً مثلما كان المسيحيون يشتكون من جنوح العقل العربي الأكثروي، في نفي التنوّع والتعددية الحضارية والمجتمعية والثقافية.
الصلاحيات التي تنازل عنها المسيحيون للمسلمين عرفاً منذ عام 1943، لم تكن بلا ثمن، بل كما أشرنا أعلاه، كان ثمنها تنازل المسلمين، بقيادة السنّة، عن طموحاتهم الوحدوية، وارتباطاتهم العضوية بالخارج، واعترافهم بنهائية الكيان اللبناني، وبنقل الصراع بين اللبنانيين من مبدأ وجود الكيان بالأساس، إلى مبدأ الاعتراف بالكيان، ونقل الصراع والتنافس إلى داخل هذا الكيان.
فالبدل الذي اضطر المسلمون لدفعه لصالح الدولة الواحدة السيدة الحرة المستقلة المستقرة، كان يستأهل من المسيحيين التنازل عن بعض صلاحياتهم عرفياً للمسلمين الذين لم يستخدموا حينها، أي سنة 1943، سلاح الاغتيالات والتهديد والفرض والإكراه والابتزاز لانتزاع هذه الصلاحيات العرفية، بل تم ذلك بمنتهى التفاهم والحوار والحرص على مصلحة الوحدة الوطنية والسلم والاستقرار، بحيث كان اللقاء التاريخي بين بشارة الخوري بصفته ممثل المسيحيين في النظام، ورياض الصلح بصفته ممثل المسلمين في النظام، وأثمر الاتفاق غير المكتوب بينهما أعرافاً دستورية غير مكتوبة بدورها، التزم بها أصحابها بكل شرف ومصداقية. فالرجال الرجال هي التي تلتزم بكلامها بمجرد أن تنطقه، بخلاف الذين يلحسون إمضاءهم، وينقلبون على مواقفهم، ويعلكون مياه مواقفهم، ويتنصّلون من حواراتهم، وما أكثرها، وأكثرهم.
ما تقوم به الشيعية السياسية اليوم، هو انتحال صفة القوة والأهلية والكفاءة، للحلول مكان المارونية السياسية والسنّية السياسية على حدٍ سواء، لمجرد أنها تمتلك السلاح والمال والإمداد الاقليمي، فيما كل مسارها وسلوكها، بتاريخه وحاضره، يتناقض مع كل الأسس والمؤهلات التي مكّنت المارونية السياسية من تولّي مقاليد رئاسة الجمهورية، ويتعارض أيضاً مع فلسفة التفاهم والاعتدال والحوار والانفتاح والاعتراف بنهائية الكيان اللبناني ومبدأ “لا غالب ولا مغلوب”، التي تميزّت بها السنيّة السياسية وتمكّنت على أساسها من إيجاد أرضية مشتركة مع المارونية السياسية لإبرام العقد التأسيسي الاجتماعي في لبنان.
فما هو البدل الميثاقي أو السيادي أو الوطني الذي دفعته الشيعية السياسية للدولة اللبنانية وللبنانيين، في مقابل انتزاعها عرف القبض على وزارة المال؟ وما هو البدل الذي سدّده ثنائي الشيعية السياسية في مقابل استحصاله على عرف الثلث المعطل في الدوحة؟
هل تنازل “الحزب” مثلاً عن مشروعه الجهادي الأممي لصالح الاعتراف بنهائية الكيان اللبناني، أسوةً بما فعلته السنّية السياسية في مقابل استحصالها على الأعراف الدستورية من المارونية السياسية سابقاً؟ وما هو البدل الميثاقي والوطني والسيادي الذي تعرضه الشيعية السياسية في مقابل وضع موقع الرئاسة تحت وصاية رئاسة مجلس النواب من خلال بدعة الحوار الاستباقي برئاسة رئيس المجلس؟
هل تقبل الشيعية السياسية بمجرّد وضع قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية والسلطة التنفيذية جمعاء، وليس بيد المسيحيين، ولا بيد السنّة ولا بيد الدروز، في مقابل الاستحصال على كل الأعراف التي انتزعتها بالقوة، ومن دون أي بدل، وعلى طريقة “السان بلاش”؟
أما الجواب فموجود في جذور الشيعية السياسية التي كانت تنمو تاريخياً في اتجاهٍ مناقض تماماً لنمو جذور المارونية السياسية والسنية السياسية…وللبحث التاريخي الموصول بالحاضر، أكبر صلة.