#adsense

خاص ـ جذور الإختلال في الطائف

حجم الخط

لم تكن الظروف الداخلية والاقليمية والدولية، وموازين القوى، التي رافقت وتلت إقرار اتفاق الطائف، في ايلول 1989، متوازنة، وذلك لأسبابٍ عدّة، ابرزها:

اولاً، سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990، ودخول العالم في منظومة الآحادية القطبية بزعامة الولايات المتحدة، في وقت كان العماد ميشال عون، متحالفاً مع عراق صدام حسين من جهة، وفرنسا من جهة ثانية، ومناصباً العداء للولايات المتحدة ولسوريا من جهة ثالثة، ويسعى للتوتير الدائم من جهة رابعة، يبدو وكأنه اصبح يُغرّد خارج سرب النظام العالمي الجديد الساعي لتحقيق الأمن والسلم والاستقرار بقيادة المايسترو الأميركي، وخصوصاً بفعل حاجة الولايات المتحدة والغرب والدول العربية للنظام السوري، كعامل استقرارٍ اقليمي بوجه طموحات صدّام حسين المتنامية، لاسيما بعد اجتياحه للكويت في اب 1990.

ثانياً، التداعيات السلبية لحرب التحرير على المسيحيين في المناطق الشرقية، والحصار البري والبحري على مناطقهم الذي استنزف هذه المناطق، وأدخلهم ضعفاء الى الاتفاق، وخصوصاً بعدما تم تهجير النواب المسيحيين الذي شاركوا في اقرار الاتفاق، وتفجير منازلهم ومكاتبهم في المناطق الشرقية، والهجوم على بكركي وتهجير البطريرك الى الديمان، مما جعل امضائهم وموافقتهم وتغطيتهم للإتفاق، تبدو وكأنها تفتقد للمشروعية الشعبية المسيحية تجاه الأطراف الثانية، ممّا جعل الاتفاق يبدو وكأنه اتفاق اسلامي عربي كامل المواصفات، فيما الجانب المسيحي منه عاجز عن موازنة الثقل الاسلامي والعربي.

ثالثا، الانقسام السياسي والعسكري المسيحي، فالقسم الذي امّن غطاءً مسيحياً لاتفاق الطائف لم يقم بذلك حُبّاً بإتفاق الطائف، وإنما لمجرّد انهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، للحوؤل دون إقدام العماد ميشال عون على توريط اللبنانيين بحروبٍ مدمرّة جديدة لا تُبقي شيئاً بالمرّة، وذلك انطلاقاً من تجربة اعلانه حرب “عيد العشاق” ضد القوات في 14 شباط 1989، وبعدها مباشرةً حرب التحرير في 14 آذار 1989، وانطلاقاً ايضاً من عدم إمكانية تقدير سلوكيات الرجل، او استشراف ردود افعاله المستقبلية، وهذا ما عاد وحصل للأسف بعد توقيع الطائف، من خلال اعلانه حرب الالغاء على القوات في 31 كانون الثاني 1990. وبالتالي فإن معارضي الإتفاق من المسيحيين هاجموه بشدّة، فيما مؤيدو الاتفاق لم يدافعوا عنه كما يجب، بل امّا التزموا الصمت، او كان دفاعهم عنه خجولاً، وهذا ما ولّد شعوراً وانطباعاً لدى الرأي العام المسيحي بأن الطائف لا يلبّي لهم الحد الأدنى من طموحاتهم في لبنان، وجعل الأطراف الثانية، وفي مقدمها النظام السوري، تستغل هذا المعطى للتشكيك في صدق نوايا الشريك المسيحي، ومن ثم التصّرف معه على هذا الأساس، خصوصاً لجهة تأطير الحصص المسيحية والانتقاص من صحة التمثيل، وتالياً، تهميش الحضور السياسي المتوازن، بالاعتماد على موازين القوى من جهة، وعلى ضعف الشريك المسيحي في الاتفاق من جهة ثانية، والتشكيك المسبق بنواياه من جهة ثالثة، والاطماع التاريخية للنظام السوري وجنوحه المستمر للاقتصاص من السياديين، من جهة رابعة.

رابعاً، تم توقيع هذا الاتفاق من قبل البرلمانيين والحقوقيين اللبنانيين، اي ان الأحزاب والميليشيات التي وُلدت في الحرب، وكانت مُشاركة بفعالية في رسم خارطة الأحداث، لم تكن حاضرة بفعالّية في المفاوضات، وبالتالي فإن هذا الاتفاق طغى عليه الجانب المثالي-الأكاديمي على الجانب الواقعي-العملي، كونه لم يأخذ بعين الاعتبار الحقائق التي افرزتها قوى الأمر الواقع على الأرض، وهو ما عاد افرز الكثير من الثغرات التي بينّت الفوارق بين المبادىء النظرية والتطبيق.

خامساً، لقد جاء اتفاق الطائف في جانبٍ اساسي منه ليُعبّر عن إرادة الدول الخارجية بالإنتهاء من الحرب في لبنان، من اجل تفرّغها لمسائل اقليمية ودولية باتت اكثر اهميةً والحاحاً من المسألة اللبنانية في ذلك الحين، وهذا ما ادّى الى “طبخه” على عجل، والى استغلال النظام السوري هذا الواقع لإدارة دفّة تطبيق الاتفاق على هواه.

سادساً، كان الاتفاق نتيجةً حتمية لتاريخٍ من المطالبات الاسلامية بتعديل الدستور، وتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية، بدءاً بالوثيقة الدستورية في العام 1976، مروراً بمؤتمري لوزان وجنيف عام 1984، والاتفاق الثلاثي عام 1985. غير ان توازن القوى لم يكن يسمح بوضع هذه المطالب الاسلامية موضع التطبيق، إلاّ في العام 1989، وبالتالي فإن الجذور التاريخية والدستورية لاتفاق الطائف، لم تكن جذوراً مسيحية، بل مطالب اسلامية قاومها المسيحيون بشدّة منذ ما قبل عام 1975، وهذا بحدّ ذاته يُعتبر خللاً وعدم توازن في الاتفاق.

سابعاً، تمتع اتفاق الطائف بغطاءٍ سعودي-سوري شكّل نوعاً من الضمانة الداخلية بالنظر لما للسعودية من رصيدٍ ايجابي تراكمي لدى اللبنانيين، بحيث عبّر عن نفسه من خلال انتخاب الرئيس رينيه معوّض، إلا ان اغتيال الأخير جاء بمثابة إخراج للسعودية من تلك التسوية، وتفرّد النظام السوري بتطبيق الطائف على طريقته، وهذا ما انتج اختلالاً داخلياً جديداً، ليس بين المسلمين والمسيحيين، لصالح المسلمين فحسب، بل بين اتباع النظام السوري من مسلمين ومسيحيين من جهة، ومعارضي هذا النظام من مسلمين ومسيحيين من جهةٍ ثانية.

ثامناً، ان انقسام المسيحيين حول هذا الاتفاق من جهة، واقتتالهم الداخلي بين بعضهم البعض من جهة ثانية، واجتياح السوريين نصف المنطقة الشرقية عسكرياً، حال دون إمكانية دخولهم الى الاتفاق بكامل قواهم السياسية والعسكرية والشعبية، مثلما كان يأمل بذلك مؤيدّو الاتفاق من المسيحيين، وهذا ما حال دون تمكّنهم من الاستحواذ على الفيتو الطائفي داخل النظام الجديد طيلة مرحلة الاحتلال السوري من عام 1990 وحتى 2005، واستخدامه بوجه القرارات التي جرى اتخاذها بمعزلٍ عن مصالحهم، منها مرسوم التجنيس، وقوانين الإنتخاب، وابتداع اعرافٍ تصب في غير مصلحة السيادة والتوازن وغيرها من الأمور، والتي ساهمت بدورها في تعميق الاختلال اكثر فأكثر، حتى يومنا هذا.

تاسعاً، في العام 1989-1990 تاريخ ابرام الطائف، لم تكن الأجندة السياسية للطائفتين السنية والشيعية متعارضة استراتيجياً وسياسياً بشكلٍ كبير، وذلك بمواجهة اجندة مسيحية-مسيحية متعارضة، وانقسامٍ مسيحي حاد، وهو ما ادّى الى زيادةٍ في الاختلال لغير مصلحة المسيحيين.

لهذه الأسباب وسواها، طبع الاختلال مسيرة اتفاق الطائف، على حساب التوافقية اللبنانية وحقوق المسيحيين من جهة، وعلى حساب سيادة لبنان، وحرية القرار، وآحادية السلاح، المتعلّقة بكل اللبنانيين، من جهة ثانية.

فهل يُصار الى تصحيح هذا الاختلال لمصلحة السيادة والتوازن والتوافق واحادية السلاح، ام يؤدي الإمعان في ابتداع اعرافٍ جديدة الى تكريس الاختلال أكثر فأكثر، ودفع اللبنانيين للبحث عن إطارٍ دستوري آخر، يُعيد الأمن والحرية، والاستقرار والتوازن والازدهار، اليهم من جديد؟

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل