Site icon Lebanese Forces Official Website

“القوات”: الخلاف القوّاتي – العوني.. حقيقة في مسار التّاريخ

صدر عن الدائرة الإعلامية في حزب القوات اللبنانية “موقف من موقف”:

إنّ الحديث المضطرد في لبنان عن الخلاف المسيحي – المسيحي الذي يتمثّل اليوم في أكبر حزبين مسيحيّين، عنيتُ هنا حزب القوّات اللبنانيّة والتّيّار الوطني الحرّ، ليس بشيء جديد. ولعلّ ما طالعنا به الكاتب أندريه قصاص في مقاله بعنوان ” الخلاف العوني -القواتي ” إلى أين؟ هو خير دليل على هذا الصوت الذي ما فتئ يصوّب على هذا الخلاف ويحمّله تبعات “خطايا العالم” كلّها.

الوحدة في التنوّع والتنوّع في قلب هذه الوحدة هو قمّة الارتقاء الإنساني – الإنساني. ولكن هذه الوحدة لا تعني إطلاقًا الانصهار. وأن تتعايش مع أمر ما، يعني أنّك تقبله على مضض.  لذلك، لا نريد التّعايش في هذا التنوّع، بل نريد العيش معًا. فهذه المصطلحات التي يجب الحذر في استعمالها. لأنّ الذين نجحوا في إرسائها طوال هذه العقود من الوطن المستحيل، قد ضربوا عن سابق تصوّر وتصميم، جوهر وجود هذا الوطن. وهو هذا التنوّع وهذه التعدّديّة الكِيانيّة التي لا نريد سواها مَعْلَمًا للحياة في هذا الشرق المكلوم، بعد لوثة الإيديولوجيا العنصريّة والمذهبيّة البغيضة التي ضربته.

فيكفي لأيّ قارئ تاريخيّ أن يعود لبضعة سنين ليرى هذا الخلاف الذي كان في الماضي بين أبرز العائلات الاقطاعيّة، ثمّ انتقل إلى الأحزاب السياسيّة من مثل خلاف بشارة الخوري وإميل إدّه، وخلاف بيار الجميّل وكميل شمعون، والشيخ جواد بولس وحميد فرنجيّة، وصولًا إلى الخلاف الذي انفجر في نهاية ثمانينيّات القرن الماضي بين سمير جعجع وميشال عون، وما زال حتّى الساعة.

كما لا يمكن إغفال أنّ هذا الخلاف لم يقتصر فقط على البيوتات المسيحيّة، يكفي مراجعة تاريخ آل وهّاب في الجاهليّة وآل جنبلاط في الشوف. والخلاف الجنبلاطي الأرسلاني كي لا نرجع أكثر إلى زمن الأمراء. وعند المسلمين من السنة والشيعة كذلك هذا الأمر كان يترجم بين زعامات البيوتات والبكاوات من آل حمادة في الهرمل وآل الأسعد في الجنوب. وبين آل كرامي وآل الحريري أو بعض زعامات السنّة في الشمال من مثل آل كبّارة والجسر وميقاتي.

هذه حال المجتمع اللبناني. ولا يمكن القفز فوقها، أو تحميل تبعات هذه التركة المجتمعيّة إلى المسيحيين وخلافاتهم فقط. فبنهاية المطاف طبيعة المجتمع اللبناني التكوينيّة هي هذه الهويّات المجتمعيّة الطائفيّة. لكن الإساءة في فهم هذه الطبيعة المجتمعيّة هي من أبرز الأسباب التي أوصلت اللبنانيين إلى هذه الحالة من النّفور فيما بينهم. وما عزّز هذا النّفور أكثر هو ذلك اللجوء إلى المحاور وتبني مشاريعها في لبنان والمنطقة.

يكفي في هذا السياق أن نستذكر واقعة مجزرة 5 أيّار 1920 التي ارتكبها أدهم خنجر وصادق حمزة بحقّ مسيحيي الجنوب، ولاسيّما في بلدة عين إبل التي دفعت ثمن ذلك الحقد أكثر من 45 شهيدًا، لا زال رفاتهم تحت كنيسة القرية حتّى اليوم يحميها من كلّ عدوان. هذه الواقعة التي أتت نتيجة تبنّي العامليّين (شيعة جبل عامل) مشروع فيصل في الوحدة مع سوريا. مقابل ذلك اتّهم مسيحيّو الجنوب بالعمالة للاستعمار الفرنسي، وتمّ الانقضاض على أكثر من 36 قرية مسيحيّة بعد مؤتمر وادي الحجير الذي عقد في 24 نيسان من العام 1920 بعد زيارة المفتي عبد الحسين شرف الدّين سوريا وتلقّيه التوجيهات من الأمير فيصل وقتذاك.

كذلك الخلاف الذي استشرى في زمن الاستقلال بين بشارة الخوري وإميل إدّه. حيث عرف وقتها الشيخ بشارة الخوري برجل الاستقلال الذي حارب الفرنسيين، بدعم مضمر من الإنكليز، لأهداف اتّضحت فيما بعد، وإميل إدّه الذي رفض الاستقلال عن فرنسا من دون توقيع معاهدة معها لحماية لبنان من خطرين: الأوّل من أطماع اليهود في جنوب لبنان، والثاني من أطماع الفكر السوري الذي لم يعترف يومًا بوجود لبنان. فتمّ تخوينه واضطهاده سياسيًّا، حتّى إنّ حليفه الزغرتاوي الشيخ جواد بولس ” الآدمي” يوم أسقط في الانتخابات النيابيّة في دورة 1943 التي خاضها مع راشد المقدم على لائحة اميل ادّه مقابل بشارة الخوري وعلى رأسها حميد فرنجية وعبد الحميد كرامي.

وقتها قبيل أسبوع من إجراء الانتخابات عمد الانكليز إلى تلفيق تهمة وجود حشيشة عند راشد المقدم ليفرطوا عقد اللائحة التي يرئسها جواد بولس. فخسّروه الانتخابات. وأشاح بولس عن عرض الجنرال سبيرس المشروط للرئاسة ونجح حميد فرنجية وانتخب نصير السياسة الانكليزية بشارة الخوري رئيسًا لدولة – الاستقلال وقتذاك.

ما تنقيبنا في هذه الوقائع التّاريخيّة من بعض رجالات المسيحيين إلّا لنثبت للذين ينتقدون الخلاف القائم بين جعجع وعون منذ نيّف وثلاثة عقود، ويصوّرون هذا الخلاف لكأنه المسؤول عن صلب لبنان، وما آلت إليه هذا الأمور. ويطالب هؤلاء ليل نهار بتوافق جعجع – عون، ظنًّا منهم أنّه بتوافق الرّجلين سينقَذُ لبنان ممّا فيه، ويعود كما كان قبلهما.

الخلاف بين المسيحيين كان دائمًا من طبيعة تبنّي المشروع السياسي. فبشارة الخوري تبنّى المشروع الإنكليزي فيما إميل إدّه تبنّى المشروع الفرنسي. وهكذا اليوم أيضًا، سمير جعجع يتبنّى المشروع التاريخي اللبناني. ولعلّ ما نجح فيه جعجع أنّه استطاع خرج من تبنّيه المشروع المسيحي الصرف، إلى تبنيه المشروع اللبناني، وبالطبع دفع ثمن تبنيه هذا المشروع.

هذا المشروع الذي يجسّد تطلّعات وخيارات المسيحيين عبر التّاريخ. فسبب تأسيسهم هذا الكيان مع البطريرك مار يوحنّا مارون هو لعيشهم حرّيّتهم، ولممارستهم قناعاتهم من دون منّة من أحد. وتمّ تثبيت هذا الخيار بالعيش معًا في لبنان الكبير الذي جسّده البطريرك الحويّك يوم رفض ما نُصِحَ به، ما مفاده أن يبقى الموارنة كبار في لبنان الصغير على أن يصبحوا صغارًا في لبنان الكبير. فحمل الحويّك بفكره ونضاله روحيّة الكيانيّة اللبنانيّة التي لم تكن مقبولة من دول القرار في مؤتمر فرساي، وانتزع ملكوت لبنان الكبير بوحي من الرّوح الذي علّم الحويّك بأنّه “وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ.”

أمّا المشروع الذي تبنّاه ميشال عون فهو مشروع حلف الأقليّات، أي ما هو نقيض تمامًا لمشروع الكيانيّة اللبنانيّة، وحاول من خلاله إخراج المسيحيين من خطّهم التّاريخي، ونجح بخديعته الكبرى تلك طوال ثلاثة عقود، كما ضرب بتوقيعه تفاهم 6 شباط 2006 جوهر  الكيانيّة اللبنانيّة، يوم تنازل  طوعًا عن السيادة الوطنيّة لمكاسبه الشخصيّة، على حساب تسيّد منظّمة مسلّحة عاثت في البلاد دمارًا وخرابًا، ونقلت قسمًا كبيرًا من مكوّنها الحضاري من الثقافة اللبنانيّة الشيعيّة المنضوية في اللبنانيّة، إلى المذهبيّة الصفويّة الفارسيّة تحت مبدأ الإمامة الإلهيّة الذي لا يمتّ إلى الديمقراطيّة والحرّيّة والانسان بشيء.

هذان هما المشروعان اللذان لا يلتقيان أبدًا. فلا يطلبنَّ بعد اليوم أحد من جعجع وعون أن يتّحدا على مشروع وطن واحد لأنّه بكلّ بساطة، لكلّ منهما مشروع وطن نقيض للآخر. زيت ومياه لن يختلطا يومًا. فالشموليّة على حساب الحرّيّة مرفوضة. وإكرامًا للتاريخ، ولدماء الشهداء، ولأحلام الشباب لا يجوز القبول بأيّ مشروع لا يحمل الأرزة في علمه. قد تتقاطع المشاريع، لكنّها لا تذوب بعضها في بعض. ولا تسقط هذه التقاطعات إلّا عندما يبدّي أحد مُتَبَنّيها مصلحته الخاصّة على المصلحة المشترَكَة.  ولنا في اتّفاق 18 كانون الثاني 2016 خير دليل.

في المحصلة، كلّ مَن يتبنّى مشروعًا يضرب الكيانيّة اللبنانيّة هو بحدّ ذاته ساقط، وإن لم يسقط اليوم فالتّاريخ سيسقطه حتمًا، ولو بعد ثلاثة عقود أو أكثر. ولعلّه من المفيد الاستزادة بأرقام الأصوات التفضيليّة للتثبّت من عمل التّاريخ. فمساره واضح. والحقيقة شمس إن أخفتها الغيوم هنيهة فلا بدّ أن تظهر من جديد. وفي نهاية المطاف … لن يصحّ إلاّ الصحيح الصحيح. هكذا كان، وهكذا سيكون. أمس اليوم وغدًا وإلى دهر الدّاهرين.

Exit mobile version