
ما انفكَّت صالة كازينو لبنان مؤخراً تقدِّم أعمالاً متتالية تليق بهذا الصرح الفني العريق وبجمهور لبنان العريض المتعطش لأعمال فنية ذات قيمة. بعيداً عن الابتذال الذي نشهده في صالات أخرى أو منع عروض من مستوى عالمي، فتح الكازينو أبوابه لعمل لبناني موسيقي ثقافي، حيث أحيا العازف والمنتج بسام شليطا حفلاً موسيقياً ضخماً بعنوان Fantasy of a pianist، ضمَّ الكثير من المواهب اللبنانية والأجنبية.
أتى الإنتاج كبيراً، لكن رغم كلفة المؤثرات لم نشعر أن هول الإنتاج ابتلعنا، والسبب هو سلاسة تعاطي بسام شليطا مع جمهوره الذي بالمقابل احتضنه واحتضن الفنانين الذين شاركوا في العرض.
عزف بسام شليطا على البيانو لنحو ساعة ونصف، مسنوداً من فرقة موسيقية بغاية الاحتراف، تضاهي المستويات العالمية إبداعاً.
بسام شليطا ليس فقط فناناً مبدعاً، بل هو شخص متواضع وخجول، والخجل كان بادياً في صوته ولغة جسده وهو يقدِّم ويتشكَّر كل من ساهم فنياً وإنتاجاً لإنجاح هذا الحفل الموسيقي الاستعراضي الكبير. كما لا يجب أن ننسى أو نستهين بدور المنتجة المنفذة مي زيادة، التي جهدت وعملت بكل طاقاتها لوضع هذا الحفل على الخريطة الفنية العالمية.
مواكبة الأوركسترا اللبنانية بمثابة رسالة بأن لبنان لديه طاقات موسيقية من الطراز الأول. من عازف الكمان الأول إيهاب رباح، مروراً بريان عون الذي عزف مقطعاً أندلسيا على الغيتار، وماغي نخله التي أبكت القانون تحت أصابعها. بالإضافة إلى مشاركة نجوم عدة في العرض، وكل منهم ومنهنّ أبرز موهبته بقالب فني ضخم وحميم في الوقت نفسه.
الجمهور شعر كم هي ممتازة العلاقة ومن دون أي “حزازيات” بين المشاركين، بل شعرنا أن جواً عائلياً يسود في الكواليس، وهذا ما برعت به مي زيادة بتنظيمها للحفل.
الأسماء كبيرة شهرةً وقيمةً، حيث لم يدعو بسام أسماء للظهور فقط، بل كانت مشاهدهم من الطراز الأول، متجانسة مع الجو العام. بعد الافتتاحية كانت إطلالة جيسي جليلاتي الأنيقة وصوتها الملائكي كمفتاح موسيقي للعرض. الممثل مايك ماسي (الذي لعب دور المسيح في مسرح استعراضي وجال في كل أوروبا) أبهرنا بأداء أغنيتين، واحدة منهما كانت النسخة المعرَّبة لأغنية جاك بريل ne me quitte pas. منال ملاط كعادتها “تأكل” المسرح بأدائها، عروضها عالية المستوى منذ أيام الكلية (كنت ولم أزل من متابعي فنِّها). مازن كيوان الذي مع سحر أبو خليل جيَّشا مشاعر جمهور تفاعل مع رقصتَي تانغو أرجنتيني. زادت إطلالة پولينا رونقاً للعمل، المطربة الروسية صاحبة الصوت المخملي. أما عازف الكلارينيت ريلو بلقان فلم يقل إبداعاً وحضوراً، كذلك آنيا التي أدت سولو بغاية اللباقة واللياقة.
على الرغم من التكلفة الباهظة والسخية، تبرَّع بسام شليطا بمدخول هذا الحفل لأبرشية أنطلياس، حيث ترعرع ونشأ. الجدير بالذكر أنه في زمن بات نكران الجميل شبه طبيعي، لم ينس هذا الفنان من تعامل معهم، لم يتخلَّ عن أصدقاء الدرب، بل دعا جوقة مار الياس أنطلياس للمشاركة في مشهد أخير مؤثر، مشهد ختامي ذو وقع درامي، حيث واكب الجمهور دخول جوقة النساء والرجال بالتصفيق والهتاف. هذا المشهد الختامي أعادنا إلى صفاء وأصالة القرية، إلى الجوقات المؤلفة من الأهل والجيران والأصدقاء.
“Fantasy of a pianist” عمل فني موسيقي من مستوى عالمي وبمهارات عدة، بسمة أمل تخترق الظلمات التي يغرق بها وطننا.
