#dfp #adsense

مكتوب علينا سرمديّة الصراع العربي – الاسرائيلي؟

حجم الخط

صحيفة النهار – د. ميشال الشمّاعي

في العالم نظريّتان حضاريّتان تتصارعان منذ قال الربّ لقايين: «مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ.» ولعلّ هذا ما جسّده #صموئيل هنتغتون في نظريّته حول صراع ال#حضارات التي حاول دحضها البابا القديس يوحنا بولس الثاني في العاشر من أيّار من العام ١٩٩٧ يوم زار #لبنان المكلوم، وأطلق نظريّته التي استمدّها من النموذج اللبناني في العيش معًا، وأطلق نظرية “لبنان أكثر من بلد إنّه رسالة.”

 

هذه الرسالة نفسها التي انتقدها بشير الجميّل عندما قال “إذا أراد الفاتيكان إجراء تجربة في تعايش الحضارات على حساب وجودنا الحرّ في الشرق فلينفّذها في أوروبا. ”

 

لكن أمام اختبارات التاريخ القاسية على الشعوب، ولاسيّما في منطقة الشرق الأوسط، يكفي مراجعة تاريخ ٢٩ أيار ١٤٥٣ عندما تخلّى الغرب المسيحي عن الشرق المسيحي وسقطت القسطنطينيّة. وحتى يومنا هذا، يتقهقر الوجود المسيحي الحرّ في الشرق على حسب الديموغرافيا . وما دخول #اليهود في صلب هذا الصراع الحضاري بعد اغتصابهم الحقّ في إعلان دولتهم على أرض كنعان، التي صارت فلسطين في جزء منها، إلّا ضمور في الرّؤيا الحضاريّة لهذا الشعب. وذلك لاعتماده دومًا على الغرب المسيحي.

 

وباعتقادنا أنّ هذا الغرب لن ينزلق أكثر وسط هذا الأتّون الحضاري، لأنّه على يقين بعجزه في مواجهة الديموغرافيا الاسلاميّة التي غزته في عمق دوله، ولاسيّما الأوروبيّة منها. لذلك يبدو أنّ الصحوة الأوروبيّة قد بدأت، وتجلّت بتنامي اليمين المسيحي، وفوزه في أكثر من بلد. كما أنّ التعاطي مع ملفّ النزوح السوري لهو خير دليل على وعي الغرب لهذه الخطورة الديموغرافيّة.

من هذا المنطلق، وفي محاولة لاستشراف المستقبل الحضاري في منطقة الشرق الأوسط، أدرك اليهود، إسرائيليين وصهاينة، أنّ الغرب مستعدّ في أيّ لحظة ليعيد إسقاط «قسطنطينيّتهم» لأنّه عاجز عن مواجهة المدّ الديمغرافي. وليس مستعدّا لمجاراتهم في الحرب الدائمة التي وصلت على أعتاب عقدها الثامن.

 

ولا يعتقدنَّ أحد أنّ إطالة الحرب على الشعب الفلسطيني قد تكون في خدمتهم أي الاسرائيليين- بغضّ النّظر عن الخسائر التي تكبّدها الشعب الفلسطيني إن كان في البشر أو في الجغرافية الفلسطينيّة المغتصَبَة- لكنّ رهان العقل الصهيوني – الهاغاني الذي عمل منذ القرن السابع عشر انطلاقًا من مؤتمرات بازل في سويسرا المؤتمر الصهيوني الأول كان المؤتمر الافتتاحي للمنظمة الصهيونية، عقد بزعامة تيودور هرتزل في مدينة بازل بسويسرا في 29 آب من العام 1897. بعد أن شعر هرتزل بالإحباط بسبب عدم حماس أغنياء اليهود بالمساعدة في تمويل مشروعه بالعمل على إقامة وطن قومي لليهود على أن يكون إما في فلسطين، أو الأرجنتين، أو أوغندا. وضمّ هذا المؤتمر وقتذاك الجاليات اليهودية كلّها، بهدف العمل على تنفيذ هذا المشروع في ما عرف ببرنامج “بازل”.

 

وفي العام 1921 تأسست عصابات الهاغاناه وعملت في مدينة القدس كتكتّل عسكري في الانتداب البريطاني على فلسطين في الفترة السّابقة لإعلان دولة إسرائيل، هذا العقل الذي ما زال حيًّا في باطن هذا الشعب، لم يعد يقتصر فقط على الذين اغتصبوا أرض كنعان وفلسطين، بل تعدّى وجودهم إلى الغرف المغلقة في عواصم القرار. والرئاسات القادمة في هذه الدول ستثبّت هذه النّظريّة.

 

ذلك لأنّ هذا الذي يرونه خطرًا لم يعد يقتصر في وجوده على وجود هؤلاء في الشرق اليوم. بل هم أصبحوا في كلّ مكان. وأثبتت التجارب أنّ النسبة الأكبر هي في عدم رغبة الإسلام الأوروبي والأميركي على الانخراط في مجتمعات الغرب. والأكثر من ذلك كلّه، تكرارهم تجارب «الغيتوهات» التي شكّلها اليهود طيلة تواجدهم في هذه الدول، قبل عبورهم في بواخر الاستيطان إلى أرض كنعان وفلسطين.

 

مع ذلك كلّه، استمرار التنامي الديموغرافي، والمسار المجتمَعي – الاجتماعي الذي لم يتمكن الذوبان بمجمله في مجتمعات الغرب وتقاليده؛ وهو ما بات يشكّل خطر انفجار حضاري في قلب هذه المجتمعات.

 

حتى باتت أمام خيارات محدودة جدًّا في هذه المواجهة المضمَرَة. إمّا أن تدخُل في معارك ترحيل ونزع جنسيّات، وهذا ما يبدو شبه مستحيل. وإمّا أن تقوم بعملية تطبيع مجتمعي مع هذا التواجد الهجين في صلب مجتمعاتها، وهذا ما فشلت به حتى الساعة، ولو بأوجه مختلفَة وبنسب متفاوتة. وإمّا أن تدخل في مسار تغيير العقل العربي – والاسلامي بشكل أوسع- عبر نمذجتِه مجتمعيًّا ببعضٍ من طرائق الغرب المجتمعيّة – الفكريّة التي لا ينفر منها الشرق. وهذا ما نجحت به بشكل كبير؛ أو حتّى بنمذجة المجتمعات الشرقيّة بما هو نافر شرقيًّا من عادات وتقاليد وطبائع لا تشبه تاريخنا المشرقي والعربي بشيء.

 

وهذا برأينا ما سيؤدّي على المدى البعيد إلى انهيار مجتمع الشرق وسقوطه، وهنا قد تتكرّر المأساة التي أصابت دولة بني عبّاس فى سنة 1258 عندما وقعت بغداد فى أيدي المغول؛ بعدما أدخلوا عبر الفرس الأقليّات من تتار وسلاجقة وديلم ومغول وأتراك وغيرهم لاستغلالهم في الاضطرابات الدّاخليّة. بعدما أفسدوا الأخلاق فيها بتعزيزهم قطاع الخمّارات والحانات ، فدخلوها بعد سقوطها أخلاقيًّا من الدّاخل، ودمّروها وأبادوا سكانها، وقبضوا على الخليفة العباسي المستعصم بالله ورجالته، وركلوه بالرجلين حتّى الموت. وذلك على يد هولاكو بن تولوى الذي تولّى الحكم فى إلخانية فارس، حيث طلب منه الخان الاكبر مونجوقاخان سنة 1256 استكمال المشوار الذي بدأه جدّه جنكيز خان المغولي.

 

هذا كلّه أدركه العقل اليهودي، ويعرف تمامًا أنّ الغرب عاجلًا أم آجلًا سيتخلّى عن أورشليمه كما تخلّى عن قسطنطينيّة المسيحيّين. ويعرف تمامًا أنّه لن يستطيع إبادة عمقه الحيويّ بالكامل. ولن يستطيع تطبيق مخطّطه التوسّعي جغرافيًّا من النيل إلى الفرات؛ لذلك كلّه، دخل في نظريّة الدين الابراهيمي الجديد، ومن هنا أتت تسمية اتّفاقيّات ابرهم للسلام مع الدّول العربيّة. الحرب الدّائمة لا تخدم هذا المشروع. بل تخدم المشروع المناهض الذي يقوم على نشر الثورة الاسلاميّة أو التطرّف الدّاعشي.

 

انطلاقًا من تجارب التّاريخ، لا صراع يستمرّ إلى الأبد. ولا يستطيع أحد إبادة شعب يريد الحياة ومواليدُهُ كلّهم مشاريع شهداء. فأمام هذا الواقع الذي بتنا فيه، هل سنعيش العمر كلّه تارة في الهدنة، وتارة في الحرب، لتعود دولنا وتوقّع في نهاية المطاف، بعد موتنا أو قبله، اتّفاقيّات السلام؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل