صحيفة النهار- نبيل بومنصف
قد يتعيّن على “قادة الفصائل” السياسية اللبنانية، أي زعماء الأحزاب طبعاً، أن يشكروا السيد نصرالله لأنه تعفّف عن قبول عطاءات زملائه ورفاق السلاح لدى المحور الإيراني “الممانع” بدءاً بفصائل عراقية للتدفق الى لبنان واستباحة ما بقي منه بعد بلا استباحة بزعم الحرب المقدّسة على إسرائيل. ليست هذه الناحية وحدها ما تستلزم مقاربة في خطاب التعبئة الأخير للسيد نصرالله، سواء أوقع المحظور غداً في الحرب الشاملة أم استمرت حرب الاستنزاف في الجنوب على وتيرتها. ولكنها زاوية جديدة – قديمة إن في وجهها الفاضح لتطوّر الاستباحة الإيرانية للبنان من جهة ولإعادة التذكير بعامل تدمير الكيان اللبناني التاريخي فيما تعلن التعبئة لإزالة “الكيان الصهيوني” من جهة مقابلة.
ولا ندري أمام تطوّر كهذا كيف يفسّر “الحزب” وأنصار الممانعة معه، هذا التقاطع الناشئ بينه وبين الإدارة الأميركية التي يصنّفها العدوّ الأول كإسرائيل وأكثر، على كشف وتأكيد وإبراز الاستعدادات الإيرانية عبر الميليشيات التي تأتمر بأوامر الحرس الثوري الإيراني سواء في العراق وسوريا واليمن أو سواها لدفعها الى محرقة حربية في لبنان بزعم دعم “الشقيق الأكبر” أي “الحزب” في حرب “الأمة” على إسرائيل. ذلك أن القاصي والداني بات مدركاً أن الإدارة الأميركية راحت تمعن في تحذير إسرائيل من أيّ حرب محدودة أو واسعة في لبنان على خلفية خطر إغراقها لبنان بالميليشيات الوافدة من دول النفوذ الإيراني، فإذا بالسيد نصرالله وحده يثبت بنفسه هذا التحذير من باب شكره “لقادة المقاومة” في المنطقة عرضهم اللطيف عاكساً ربّما ولو بطريقة “لبقة” خشية من تداعيات مخيفة لسيناريو إغراقي كهذا.
لن نتوغل في سيناريوهات الدمار التي لا بد من أنها ارتسمت أمام اللبنانيين في الأيام الأخيرة كأسوأ الكوابيس لأن استباق التطورات في الجاري من غرائب هذه الحرب الهجينة التي تتهدّد لبنان بمصير “غزاوي” يغدو ضرباً من زيادة الترويع بلا أيّ جدوى. لكن، ولأن لبنان بلا دولة وحتى بلا حكومة وبلا أيّ صوت يعلو صوت الاستباحة، لا بدّ من التذكير بأن بدايات نهاية الوطن المتألق النادر التركيبة في الشرق العربي والشرق الأوسط كانت في السبعينيات حين بدأت معالم الزلزال اللبناني تتصاعد على خلفية تدفق “الغرباء” من مسلحين مؤازرين للدويلة الفلسطينية نفسها آنذاك، ولم تكف ألوف مؤلفة من فصائل فلسطينية فاستبيح لبنان أمام تدفقات من جنسيات عربية وغير عربية على شعار محاربة “الانعزاليين” و”اليمين المتصهين”…
ولعل اللبنانيين بكل طوائفهم ومناطقهم واتجاهاتهم اليوم، لن يتصورا ولو عبر “الذكاء الاصطناعي”، السيناريو الأشدّ قتامة الذي يمكن أن تلحقه استباحة مخيفة من النوع الذي أثاره إعلان السيد نصرالله عن تلقيه عروضاً سخيّة من زملائه ورفاق محوره في المنطقة بزج ميليشياتهم في لبنان للقتال مع كبير الأذرعة الإيرانية.. كان سيكون السيد موفقاً أكثر لو تجاهل هذا الطلب اللطيف علناً لأننا سنتكل عليه في الصدّ الناعم لرغبات الموت لدى حلفائه على أرض لبنان فيما نتساءل لماذا لم يجرّبوا، ولماذا لم تجبرهم إيران، على تجربة وسائل أخرى لدعم غزة و”حركة ح” وسائر فصائل الممانعة الفلسطينية من غير البوابة المستباحة في لبنان؟ ماذا تراهم يقولون في الخلفية الأخرى غير التعبئة الإيرانية الشاملة لأذرعتها وميليشياتها ورفع مستوى “التفاوض” تحت الطاولات وفوقها مع أميركا والغرب على نهايات حرب غزة تحت وطأة تهيئة لبنان للمحرقة الثانية؟