#dfp #adsense

“الانفصال” في حقيقة مضمون خطاب نصرالله

حجم الخط

الانفصال ـ نصرالله

ليس مجالًا للنقاش، عن أن للأمين العام لـ”الحزب” ملكة الخطابة والبلاغة، تساعده على إيصالها لجمهوره المتأثر المستأثَر به، وليس مجالًا للنقاش، أن الجمهور لطالما أخذ بأسلوب ونبرة وشكل خطاب نصرالله، من دون أن يعير انتباهه للمضمون وتكراره أو ما سبقه وما سيلحقه.

لم تختلف إطلالة نصرالله في 19 حزيران 2024 عن السياق المكرّر في التبريرات وادعاء الإنجازات ووعود الانتصارات، مع فارق ملحوظ أن الأسلوب والنبرة والشكل تخلّفوا هذه المرة عن اداء المهمة المطلوبة في تغطية سموات واقع الحال بقبوات الحلم أو الوهم المأمول.

في الإطلالة الأخيرة طمأن نصرالله جمهوره حصرًا “أننا نستطيع أن نضرب أي هدف نريده في أي مكان من فلسطين”، مستندًا الى معلومات “هدهده” تمامًا كما استند سابقًا الى طائرة “أيوب” في 2012. وقتها أعلن نصرالله أن “أيوب” المذكورة حلقت فوق مواقع إسرائيلية حساسة وقامت بتصويرها، ليعود نصرالله ويؤكد لاحقًا في 22 آذار 2016 ما كرره في 2024 “نستطيع أن نضرب أي هدف نريده في أي مكان في فلسطين”. “الاستطاعة” والقدرة هنا لم تلتقيا مع إرادة القادر الخطيب حتى الساعة، وهذا ما لم يعره جمهور “السيد” ومريدوه من ممانعين ومحللين انتباهًا.

كما لم يعر الانتباه قدرة “الحزب” بهدهده وأيوب، على معرفة واستكشاف أدق تفاصيل الداخل الإسرائيلي البعيد عشرات الكيلومترات عن الحدود، ونفيه أدنى معرفة لما يجرى في قلب العاصمة وداخل مرفأ بيروت، من إدخال وتخزين مواد تحولت بقدرة قادر وفاعل ومفتعِل الى قنبلة نووية.

في الموضوع القبرصي وفي سردية “السيّد” عن علاقة قبرص الأوروبية مع دولة إسرائيل واعتبار الجزيرة ومصالحها أهدافًا سيتعامل معها كمعادية، انطلاقًا من تلك العلاقة والقواعد الإسرائيلية المزعومة والتي نفت وجودها قبرص، وبعيدًا من الرسالة الإيرانية التي بعث بها نصرالله بتهديده، نتوقف عند الواقع التي عايشناه جميعًا عندما أبلغت روسيا لبنان في 21 تشرين الثاني 2015 بوقف بعض مسارات الطيران المدني فوق لبنان واعتماد مسارات أخرى في فترة المناورات العسكرية الروسية والتي ستدوم ثلاثة أيام يومها، حاول لبنان الرسمي والممانع فتح المسار الجوي القبرصي بديلًا، وفي واقع الأمر توسل من قبرص المعادية، تطمينًا وضمانات من العدو الأصيل إسرائيل، إذ يقول وزير أشغال حركة “أمل” حليفة “الحزب” غازي زعيتر في 21 تشرين الثاني 2015: “لبنان أخَذ ضمانات من قبرص بأنّ إسرائيل لن تتعرض للطيران اللبناني”.

بالنسبة لـ”الاستطاعة والإرادة” وأيضًا من ضمن اللازمات المتكررة المترافقة مع بعضها البعض، عبارة “نحن لا نريد الحرب” قبل 8 تشرين الأول 2023 و”لا نريد توسعة الحرب والحرب الكبرى” التي كللّت خطابات “السيد” منذ الطوفان وحتى اليوم.

في المقابل وعلى الجانب الفلسطيني، اشترط الخطيب المساند لغزة وقف الحرب فيها لوقفها على الساحة اللبنانية، فلاقاه نصرالله الذي اعتبر أن وقف إطلاق النار الذي عُرِض على حركة ح. “غير منطقي” وهنا أيضًا لعب “السيّد” دور ساعي البريد لمصلحة المُرسِل الإيراني الذي يبحث عن دور له في المفاوضات من ضمن وحدة الساحات واستمرار المواجهات.

وفي تفسير الظاهر كأنه واقع لجمهوره، استعرض “السيد” نقاط قوة “الحزب” والجبهات المساندة، مبالغًا ببعضها القليل، مختلقًا لمعظمها الكبير، إذ انه أخفى الكثير من نقاط الضعف والتي اثبتتها “وقائع الميدان” من استهدافات مستمرة لقياديي وعناصر ومواقع “الحزب”، الذي لم يجد لها حلًّا أو تجنبًا لها حتى الساعة، كما لم تُجدِ تحذيرات أمين عامه المفوّه في محطات كثيرة مكررة على تفاديها أو حتى عدم مفاقمتها. ناهيك عن الدمار والخسائر التي تلحق بالحجر بعد البشر والتي لم يتطرق اليها نصرالله كنقطة ضعف او من ضمن السلبيات، في حين أنه استفاض في الحديث عن خسائر الجانب الإسرائيلي كنقاط قوة ومن ضمن إيجابيات مساندته المظفّرة.

في استعراض ما اعتبره “السيد” قوة، كشف “السيد” بثقة المنتصر أن حزبه يصنّع المسيرات في حين أن حملة “الحزب” وملصقاتها عن دعوة الجمهور  للتبرّع لشراء مسيّرة لم يجف حبر طباعتها بعد، ولم تسحب من المواقع وعن الساحات، في نفس الاستعراض يدخل كلام “السيد” عن وصول أسلحة جديدة متطورة لـ”الحزب” واستعداده لاستقدام مقاتلين من جنسيات وفصائل مختلفة من الخارج للقتال على الساحة اللبنانية. وفي قراءة غير الظاهر من هذين الاستعراضين يتجلى استجلاب الحرب الشاملة المدمرة المبررة بمسوّغ شرعي كون “الحزب” يقرّ موثقًا عبر أمينه العام بخرقه القرار الدولي 1701 كما يتباهى بتهديد مصالح الدول الغربية والاقليمية والعربية والخليجية… وهنا نفهم عدم تطرق نصرالله لمهمة المبعوث الأميركي هوكشتين البعيدة كل البعد عن مضمون وأسلوب خطاب “السيد” لأسباب إيرانية.

في إطار التكرار الممل المكلف وقع “السيّد” بمثل ما أوقع اللبنانيين فيه في 12 تموز 2006 إذ أتى خطابه الحربي اللفظي في حزيران 2024 في ظل الحديث عن صيف واعد بتوافد السياح والمغتربين، تمامًا كالوعد الذي كان اطلقه في الجو الذي كان سائدًا عشية مواجهات “لو كنت أعلم”.

إن أخطر ترجمة لانفصال “السيّد” عن واقعه وواقع حزبه ومن خلاله واقع اللبنانيين الأليم، أتى في مناسبة وسبب الخطاب، أي الاحتفال التأبيني للشهيد القائد طالب عبدالله “أبو طالب” إذ ان “السيّد” خانه التركيز والذاكرة في اسم المؤبن وغيره من الذين ارتقوا على جبهة المساندة، ليستعين لهذه الغاية بقراءة من ورقة مكتوبة محضّرة سلفًا على غير عادته في الخطابة والارتجال والالقاء.

كل ما تقدّم لا يعفي الجماهير من خطيئة استمرار انقيادها وراء العواطف والغرائز والإثارة، من دون اعتبار لقراءة الوقائع واستقراء واستنباط النتائج من تجارب الماضي المتكررة على ايدي وألسنة المتلاعبين من الممانعين، كما لن يعفي بشكل أكيد مَن يتلاعب عن سبق إصرار وترصد دائم بمصائر الناس، مقامرًا مغامرًا بحياتهم وأوطانهم، وخطاب “السيّد” وما سبقه والذي قد يلحقه خير برهان.

إقرأ أيضًا

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل