Site icon Lebanese Forces Official Website

لبنان في العالم ـ باحث Hilti شفيق أبو أنطون.. 23 براءة اختراع وتميّز لبناني عالمي

عندما نتطرق الى “لبنان في العالم”، يخطر ببالنا كل قصص النجاح التي خطّتها قدرة اللبنانيين وعزمهم على التفرّد والتميّز. الدكتور شفيق أبو أنطون هو أحد نماذج هذا الـ”لبنان في العالم“، إنه ببساطة شغف اللبناني الذي ترك أرض أجداده وأبحر بعيدًا، حاملًا وطنه على كتفيه، فبرع وسجّل اسمه في المجال الذي عمل به. نضال أبو أنطون ومثله كثر، من نوع آخر، وهو يتكامل تمامًا مع صمودنا هنا، كلّ من موقعه يبهر العالم بأسره، بهذا الـ”لبنان” الذي لا يستكين، مالئ الدنيا وشاغل الناس.

الدكتور شفيق أبو أنطون، لبناني غادر الى ألمانيا ومن بعدها الى سويسرا للعمل كمهندس، فوجد نفسه بعد 21 عامًا، مسجلاً أكثر من 23 براءة اختراع. ليست صدفة، وليس ما نكتبه هنا خبر عابر يمر مرور الكرام. إنه واقع آلاف اللبنانيين الذين تركوا أرضهم بحثًا عن أمن وأمان، فباتوا هم الحدث. عاش أبو أنطون الحرب اللبنانية في طفولته، وحمل كلمات والده القليلة، بعد انتهائها، “انتهت الحرب ولم يبقَ في يدنا أي سلاح آخر غير العلم”، ليبحر على الرغم من كل الصعوبات المادية وظروف العائلة الصعبة اقتصاديًا، في عالم الميكانيك والتكنولوجيا وتحليل المعلومات مع أهم الشركات، وأعني بها شركة Hilti ـ ليشتشتاين العالمية، المتخصصة بصناعة الأدوات والعدة الكهربائية للبناء والهدم.

لم يولد ابن بلدة القعقور المتنية وفي فمه “ملعقة الذهب”. صغيرًا عاش الحرب، لكن أهله جهدوا لتأمين الأمان لعائلتهم المؤلفة من ثلاثة أولاد، خاصة أن الحرب أجبرتهم على هجرة القعقور الى بلدة برمانا، حيث تلقوا علومهم في مدرسة “برمانا هاي سكول”، إذ كان الوالد، وهو موظف في بريد برمانا، يجهد لتأمين الأقساط المدرسية المرتفعة، كما سبل العيش الكريم. لم يكن هاجس شفيق، التفوق المدرسي حتى المرحلة المتوسطة، ولم يمارس الأهل ضغوط الدرس، على الرغم من أنهم وضعوا التعليم في سلم الأولويات، كل ما في الأمر، أن ابن الـ12 عامًا، حينها، سمع جملة واحدة بهذا الموضوع من والده، طبعت فيه وقلبت حياته رأسًا على عقب وجعلت منه ما هو عليه اليوم. “عندما انتهى القتال في العام 1990، قال لي والدي، لم نعد نملك إلا سلاحًا واحدًا: أن تكون متعلمًا بارعًا، فإما أن تتعلم وتبرع، وإما أن تنسى كل هذا الموضوع”، يقول شفيق أبو أنطون في حديث خاص لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني.

تأثير هذه الكلمات ترجم فيما بعد في المرحلتين المتوسطة والثانوية، إذ صار أولاً في الصف ليتخرج من المدرسة بعلامات عالية، وُعد بسببها بالحصول على منحة جامعية من البلمند في اختصاص الهندسة الميكانيكية، إلا أن السنتين الأولتين مرتا من دون ذلك، على الرغم من أن اسم شفيق حجز المراتب الأولى في لائحة طلاب الشرف.

“كانت الأحداث تتسارع، وضع مالي صعب. لا منحة. أنا من الطلاب المتفوقين. لا مال بين يدي والدي لدفع القسط، ففكر والدي ببيع الأرض. رفضت ذلك، فاستمرت رحلة عذاب تأمين القسط الجامعي حتى أنهيت سنوات الإجازة”، يوضح شفيق الذي يلفت الى أنه رفض الالتحاق بالدراسات العليا، إذ كان عليه تسديد مبلغ 5000 دولار مما تبقى من تكاليف الإجازة، إضافة الى دفع رسوم التسجيل، لكن مديرة مكتب رئيس الجامعة حينها، الدكتور إيلي سالم، طلبت منه الانضمام الى الصفوف على الرغم من أن الفصل الأول شارف على الانتهاء، وطلبت منه الحصول على علامات عالية، “وما عليك”، وهذا ما حصل. تخرج أبو أنطون من الجامعة من دون المشاركة في حفل التخرج، متميزًا في إجازة ماجيستير في الهندسة الميكانيكية، ليسافر بعدها الى ألمانيا حيث بدأ يشق طريقه في العمل، فحصل على أول وظيفة في مجال تصميم السيارات (Electro mecanique ـ أي كل وسائل الاتصال بين السائق والسيارة)، وقد ساعده مديره الألماني كثيرًا على تطوير ذاته. أحب عمله هذا وتمكن من تحقيق ذاته كما الاستفادة منه، إذ سدد بعد 6 أشهر فقط من الإنتاج، الديون المستحقة عليه لجامعته التي تخرّج منها في لبنان.

لم ينسَ شفيف أبو أنطون، جملة والده التي بقيت في رأسه ولاحقته في كل مراحل حياته، ولا تزال، “الاستثمار بالعقل أهم من المال”، ومن هذا المنطلق، فكّر بكيفية التواصل مع الأدمغة لتطوير ذاته وعمله. تسجّل في الدراسات العليا في جامعة شتوتغارت في اختصاص computational science (تصميم ميكانينكي والكتروني ميكانيكي عبر الكومبيوتر)، وهو اختصاص محصور بعدد محدد من الجامعات، اختصاص، كان دخل حديثًا الى أوروبا. “أعلمت مديري في ألمانيا أنني أرغب بمتابعة الدراسات العليا، فصرت أتعلم نهارًا وأعمل معه في فترات الليل، حتى أنهيت اختصاصي الثاني محصلًا علامات جيدة، وللمفارقة أنني تعرفت على شركة Hilti ـ ليشتيشتاين في سويسرا، من خلال مشروع تخرجي، إذ تعمد الشركة الى انتقاء تلميذين وتعطيهما منحة لإنجاز المشروع، وهذا ما حصل.  ولأن الشركة كانت بحاجة الى الاستثمار في مجال الأبحاث، أو ما يعرف بالـcomputational Science، وهو نفس اختصاصي، تركت عملي كمهندس ميكانيك في تصنيع السيارات، وبدأت مشواري مع Hilti، متسلحًا بنصيحة أبي الوحيدة، لتحقيق ذاتي”، يلفت أبو أنطون الذي يوضح أن مخاطرته هذه نجحت.

النجاح في العمل ومع أهم الشركات لم يُثنِ أبو أنطون عن التحصيل الجامعي، فتابع دروسه حائزًا على شهادة الدكتوراه في مجال الأبحاث والعلوم، من الـÉcole polytechnique fédérale في لوزان (سويسرا)، ساعدته في ذلك الشركة الذي يعمل فيها، والتي أخذت على عاتقها التكاليف البالغة حوالى 140 ألف دولار أميركي، إضافة الى الراتب الذي يتقاضاه. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ عادت الشركة واستثمرت مجددًا برجل الأبحاث، وهو اليوم لا يزال يتابع شهادة دبلوم متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي، من جامعة ETH زوريخ.  “أعمل مع Hilti منذ 17 عامًا، وقد دعمتني شركتي كثيرًا. تطوير الطاقات البشرية والمحافظة عليها، من أولوياتها”، يجزم أبو أنطون، الذي ينظر بكثير من الاعتزاز الى مسيرته الشاقة، مبديًا أسفه للفرص الضائعة والإمكانات شبه المستحيلة في لبنان، “لو بقيت في لبنان، لم أكن لأصل الى ما أنا عليه اليوم، Hilti هي الشركة الأولى في تصنيع معدات البناء، ومعداتها هي الأفضل في السوق. لو بقيت في لبنان، ماذا كنت سأفعل؟ حتى في حال قررت العودة اليوم، فلن أتمكن من العمل في مجالي، لأن نظرة لبنان الى المهندس الميكانيكي مختلفة تمامًا عما هي عليه في أوروبا، على الرغم من أن المستوى الجامعي في لبنان ممتاز. تخيلي قدرة اللبناني على التألق والمنافسة عالميًا، عندما تقدّم له الإمكانيات، بينما يعجز في لبنان عن ذلك، لغياب البيئة المناسبة للنجاح وافتقار لبنان الى التصنيع والتكنولوجيا والدعم الجامعي والعلمي”، يجزم أبو أنطون.

ترتكز طبيعة عمل أبو أنطون في Hilti على الأبحاث حيث الجودة في الاختراع، يتم ذلك من خلال إعطاء أفكار لتفاصيل معينة بفيزيائية متطورة، وقد تمكّن من تسجيل 23 براءة اختراع باسمه حتى الساعة، باتت ملك الشركة، وهو يعمل على براءات اختراع أخرى في الوقت الحالي، كما يقوم بعمل جبّار في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال الأبحاث التي يجريها، مستعينًا بأمور تطويرية في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، سجل أبو أنطون براءة اختراع بمساعدة الذكاء الاصطناعي لتحديد كيفية تصنيع حبوب الألماس، وهي العنصر الأساسي لـتجويف الحائط الذي قد يكون باطونًا مسلحًا، والوصول الى الحديد أو الفولاذ في البناء، مراعيًا بذلك السرعة المطلوبة، وتركز الاختراع على إطالة عمر الماكينة التي تقوم بهذا العمل وإطالة عمرها الصناعي.

من براءات الاختراع التي سجلها أبو أنطون أيضًا، تصميم ماكينة تعمل على البطارية الكهربائية (بدلًا من الغاز والبارود) بوزن 4 كيلوغرامات، وهي غير موجودة في العالم، لتبشيم المسامير بالفولاذ، بطاقة عالية (250J)، في صناعات عالمية بغاية الدقة.

“في البداية، تخوّف القيمون في الشركة في إدخال الذكاء الاصطناعي في عملنا، لكنني تمكنت من إثبات أهمية ما نقوم به، لا سيما أن شركات أوروبا بغالبيتها الساحقة اعتمدت على هذا الشقّ في مجال أعمالها، كما سخّرت سويسرا مركز زوريخ، وهو من بين أفضل الجامعات عالميّا، للذكاء الاصطناعي. في Hilti اليوم 33 ألف موظف، 30 مهندس ذكاء اصطناعي و100 موظف في مجال الأبحاث، وأنا منهم، عليهم أن يحلموا ويخرجوا بأفكار جديدة حتى ولو كانت مستحيلة، ويؤمنوا المال داخليًا لإقناع قسم التطوير والأقسام الأخرى، بفكرتهم. أستطيع أن أعرف ماتيماتيكيأ ومن خلال برامج كومبيوتر، تفاصيل بغاية الدقة، وتسخير المعلومات من خلال الذكاء الاصطناعي في المجالات كافة وليس فقط في مجال تصنيع المعدات. أتابع وأدرس جامعيًا كل ما هو جديد في مجال الأبحاث والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لأنه أمر تحتاجه شركتي وأحتاجه أنا شخصيًا”.

في حديث أبو أنطون عن شركته التي احتضنته، الكثير من الوفاء، “أنا سعيد في عملي في Hilti التي جعلتني متعلقًا بها وغير قادر على تركها، بعدما دعمتني ماديًا ومعنويًا وأتاحت لي فرصًا كثيرة”. وفاؤه، ينسحب على علاقته بوالده الذي توفي عام 2013، عندما كان أبو أنطون في سنته الجامعية الأولى في لوزان، “هذه الوفاة أحزنتني وصدمتني. أردت فقط إهداء كل هذا الى والدي، والقول له إننا تمكنّا من تحقيق ما أردنا، وها قد حصلت على شهادة الدكتوراه من دون أن نبيع أرض جدي شفيق أبو أنطون. كانت المرة الأولى والأخيرة التي أحزن فيها في حياتي. بنظري، هذه الصدفة المحزنة، هي رسالة من والدي نبيل الى إبني نبيل، من خلالي”، يقول شفيق أبو أنطون.

بحسرة، يتحدث أبو أنطون عن لبنان الذي يفتقر الى الاختصاصات الجامعية المواكبة للتبدلات العلمية التكنوليوجية، كما يتوقف عند أداء السلطات الرسمية في لبنان، التي تختلف بطريقة مقاربتها للأمور كليًا عن طريقة تفكير الدول الأوروبية. “الشركات المصنعة عالميًا وفي سويسرا، تطلب من الجامعات تدريس اختصاصات معينة وتطويرها لتواكب سوق العمل وحاجات الشركات، عكس ما يجري في لبنان”، يوضح أبو أنطون، الذي يذكّر بأن الشركات العالمية تدفع بنفسها Sponsor للجامعات، لاختصاصات تحتاج اليها، حتى يتمكن طالب الدكتوراه من تحصيل اختصاصه الجامعي، إضافة الى وجود منح من الدولة.

“وصلت الى سويسرا كلبناني، وهنا يعرفون جيدًا قدرات اللبنانيين، كيف لا وأب الصناعة السويسرية، السيد نيكولاس حايك، لبناني أخذ على عاتقه انقاذ شركات الساعات في سويسرا ودمج معظمها بشركة واحدة، مؤسسًا شركة Swatch ومصممًا سيارة الـsmart، ونجح. تعرفت الى الكثير من اللبنانيين هنا، هم مميزون وبارعون، يتعلمون ويعملون بجهد وصيتهم رائع، والسويسريون يعلمون ذلك”، يتابع أبو أنطون، مضيفًا: “الحمدالله وضعي المادي جيد نسبيًا واكثر مما كنت أتوقع، لكنه أتى كنتيجة وليس كهدف، وعلى الرغم من أنني أصبحت مواطنًا سويسريًا، إلا أنني أفتخر كثيرًا بلبنانيتي. عشت نصف عمري في لبنان، لكن الحرب والفقر والقسوة أثّرت فيّ إيجابًا وعلمتني ما يجهله حوالى 90% من الناس المقيمين في سويسرا. حتى إبني لن يتمكن من فهم ما أقوله”.

لا مشاريع مستقبلية محددة حتى الساعة في جعبة أبو أنطون، علمًا أنه يحلم بتأسيس شركته الخاصة في لبنان والعمل مع الشباب اللبناني، إلا أن ما يعرقله هو وضع لبنان والإمكانات الصناعية ـ التكنولوجية فيه. يقول: “أنا مستقر في سويسرا، إبني سيرتاد الجامعة بعد أشهر، بعدها سأصبح تقريبًا لوحدي، عندها قد أضع مشروعي الجدي قيد الدرس أو أفكر بشيء ما”.

لأبو أنطون شعار ليس سهلاً فهمه، The best gift in life is death، وقد استوحاه من الكتاب الفلسفي Night Train to Lisbon. “إذا أراد الانسان أن يعيش حياته الى الأبد، وإذا تكررت الأمور أمامه لآلاف السنين، فإنه حتمًا سيفقد اللذة في الحياة. أن تعرف أنك ستموت وستخسر من تحب أو ما تحب يومًا ما، يعطي قيمة للوقت الذي تقضيه مع من تحب وتقدّر كل ما هو اليوم بين يديك. بالنسبة إليّ، تكمن اللذة في أبسط الأمور، وبمجرد أن نصحوا من النوم فهذه لذة، وبالتالي فإن فكرة الموت هي هدية بالنسبة إلينا، لولاها تصبح الحياة مملة ومتكررة”.

Exit mobile version