
مساحة تقارب الـ182 كيلومترًا مربعًا، مفلوشة تحت شمس سهل البقاع الشمالي. هنا القاع، قضاء بعلبك الهرمل، وهنا بلدة لبنانية عريقة لحقتها منذ زمن، لعنة الجغرافيا والجيرة غير الحسنة غالبًا، مثل لبنان تمامًا، الوطن الملعون المنكوب بجيرة سوريا الطامعة لضمه، وجيرة إسرائيل المتوحشة الطامعة بمياهه. لعنة القاع ليس فقط حدودها الشمالية المشتركة مع سوريا، ولكن أكبر وأهم لعناتها، هي دولة متراخية راكمت فيها تاريخًا مجيدًا من الإهمال واللامبالاة، جعلت سكانها الذين يتجاوز عددهم الـ13 الف نسمة، وكأنهم ضيوف على أرضهم، فقرروا أن يقاوموا ويصمدوا على الرغم من ما تعرضوا له من مجازر على يد الاحتلال السوري وأزلامه، ومن ثم هجمات داعش والآن النزوح السوري الذي يأكل أخضر القاع ويباسه، وتلك الدولة البائسة تتفرج.
هي إذًا لعنة جديدة تواجهها القاع من قلب الوطن، آذان الدولة الصماء عن كل المطالب المحقة التي يطالب بها القاعيون عبر بلديتهم، التي حاولت منذ نحو أربعة عشر عامًا، أن تدخل القاع الى كتاب البلديات المتطورة المتحضرة، بمجهود رئيس بلديتها المحامي بشير مطر والمجلس البلدي الناشط، الذي فعل المستحيل لإنقاذ البلدة من كل تراجع، وأعادها عبر المشاريع الإنمائية الكثيرة، الى الخريطة الزراعية والاجتماعية والاقتصادية المطلوبة.
ماذا يجري الآن في القاع؟ “أرضنا ستعطش” يقول أحد المزارعين القاعيين الغاضبين. “ماذا يجري يا ريس بشير”؟
يتنهد الرجل الذي حمل الكثير الكثير من هموم القاع، وكافح وواجه صعوبات هائلة ليتمكن من تحقيق الإنجازات الضرورية لبلدته، وها هو الآن يوجه نداء عاجلًا لوزارة الطاقة، للسماح للمزارعين بتنظيف آبارهم الارتوازية التي تروي مزروعاتهم، بعدما كان الوزير وليد فياض أصدر قرارًا بمنع مزارعي سهل القاع من تنظيف تلك الآبار ضمن نطاق نهر العاصي، لأنها تخضع لمفاعيل اتفاقية بائسة مهينة مجحفة بحق اللبنانيين، وقعت العام 1994، يعني زمن الاحتلال السوري للبنان، وتنص على إقامة سدّ على نهر العاصي، لتجميع المياه وضخها الى الأراضي التي تستفيد منها في لبنان وسوريا، وهي اتفاقية شابها الكثير من العيوب المجحفة بحق القاع والبلدات المجاورة للنهر لجهة حرمانها من الاستفادة من مياه السد.
ثلاثون عامًا مرّت ولم ينجز السدّ الموعود ولن ينجز على المدى القريب بطبيعة الحال، والاتفاقية اللبنانية السورية حددت عددًا معينًا من الآبار، ولا تسمح بحفر آبار جديدة، والدولة لم تقدم أي بديل، في وقت تضغط وزارة الزراعة السورية على لبنان، للالتزام ببنود الاتفاقية لجهة منع تنظيف الآبار حتى شهر تشرين الأول، والوزير العظيم يوافق، والأرض عطشى والمزارعون يصرخون، ومطر يوجه النداءات المتتالية لوزير الطاقة والزراعة وكل أولئك المسؤولين غير المسؤولين في الدولة اللبنانية، ولا من مجيب!
“دولة غائبة كليًا عن مصائب شعبها، أراضينا عطشى، ونحتاج تنظيف الآبار بأسرع وقت، على الدولة أن تجد حلًا سريعًا وأن تنفذ مشروع العاصي، ولكنها تتركنا نعمل لأجل مصلحة السوريين على حساب مصلحة اللبنانيين، بأي دولة بالعالم بيحصل هالشي؟” يصرخ مطر. “أين حصتنا من نهر العاصي يا دولة، بأي حق تتعرض أراضينا للعطش ولماذا علينا أن نكون حراسًا على أمن سوريا المائي، الا تكفينا مصائبنا من النازحين؟ عدلوا الاتفاقية أو نفذوا مشروع العاصي، 90 في المئة من أراضينا تُروى من الآبار فهل نترك أرزاقنا تموت عطشًا لتحيا أرزاق السوريين؟ بأي دولة عايشين؟” يقول مطر بغضب كبير.
منذ نحو السنة وبشير مطر يلتقي بالمعنيين، من وزير الطاقة الى قيادة الدرك وكل الفاعليات ولكن لا مجيب، “أراضينا مهددة باليباس، وسهل القاع الزراعي يعتمد في ري المزروعات على المياه الجوفية المستخرجة بواسطة الآبار الارتوازية، التي تتعرض للتشليق ما يؤدي الى انقطاع مياه البئر، وبالتالي هي بحاجة للعزيل والصيانة بشكل دوري، وهذا الأمر أصبح متعذرًا من دون الوساطات والتحايل على القانون ويبقى مستحيلًا على صغار المزارعين”. يقول مطر في البيان الذي وجهه لوزارة الطاقة، ولما رفضت الاستماع اليه وجه النداء الى الإعلام والرأي العام اللبناني علّ وعسى أن يتحرك أحدهم.
“لما كانت الاتفاقية اللبنانية – السورية قد حددت عددًا معينًا من الآبار، التي يسمح فقط بعزيلها وذلك باتباع إجراءات معقدة، ولا تسمح بحفر آبار جديدة، وقد شارفنا على مرور 30 عامًا على سريان مفعول هذه الاتفاقية، لجهة منع الحفر والعزيل من دون إنشاء السد، ولما كانت الاتفاقية تقضي بمنع حفر آبار جديدة، لقاء تنفيذ السد، فلا يعقل أن يمنع الحفر والعزيل أمام المزارعين ما يعرض أرزاقهم لليباس، ولا يتم تقديم البديل للعقارات والعمل ممنوع بالسد. وزارة الري السورية تضغط على الجهة اللبنانية للالتزام والعمل بموجب بنود الاتفاقية لجهة منع العزيل والحفر، ووزير الطاقة والمياه الدكتور وليد فياض أصدر قرارًا يقضي بإيقاف العمل بأذونات عزيل الآبار لغاية شهر أيلول، الأمر الذي يلحق ضررًا فادحًا بالمزارعين ويسبب يباسًا لبساتينهم وأرزاقهم وقطع معيشتهم”. يقول مطر في ندائه الاستغاثي، إذا جاز التعبير.
وبناء على ما تقدم، هدد مطر الدولة بالقيام بخطوات تصعيدية في الشارع، “وقت تعطش أراضينا كأن ولادنا عطشانين، والمزارع ما رح يسمح يموتوا ولادو أمام ناظريه وهو عم يتفرّج، لن يسكت على الظلم وسنتحرّك” يهدد مطر علانية، الى أين ممكن أن تصل تلك الخطوات “لا أعرف، المهم أننا سننزل الى الأرض وستكون خطواتنا تصعيدية ومتواصلة، ولا أعرف الى أين ممكن أن نصل، المهم أننا لن نسكت ولن نسمح بقطع أرزاقنا لتحيا أرزاق السوريين. تكفينا مصائب النزوح، 30 الف نازح في القاع، وكل يوم مصيبة جديدة. هذا يكفي ولن نسكت”.
هذه هي أراضينا الصامدة المقاومة في ظل المستحيل، في ظل دولة متواطئة على الشعب، ونزوح متواطئ على كرامة وخيرات لبنان، وحدود سائبة متواطئة على سيادة لبنان، ومع ذلك يقاومون. والقاع الآن كما في كل الأزمان، في قلب قلب المقاومة وأيضا الصمود.
