
تحت إشارة “ربّ ضارةٍ نافعة” يمكن إدراج مقاطعة المكوّن الشيعي، بقرار أصلي صارم من “الحزب”، اللقاء الروحي الموسّع في بكركي والمطعَّم بتلوين سياسي مسيحي محدود، وفي حضور ممثّل الكرسي الرسولي الرجل الثاني في الفاتيكان الكاردينال بارولين.
ضرر هذا الغياب يكمن في تفرّد المجلس الشيعي الأعلى بالمقاطعة بعد موافقة أوّلية على الحضور، ما يؤكّد تدخّل “الحزب” بصورة طارئة لإبدال القبول بالرفض، وما جعل الطائفة الشيعية تغرّد خارج سرب الطوائف الإسلامية من سنّة ودروز وعلويين الذين مثّلتهم قياداتهم الدينية على أعلى مستوى.
كما يكمن الضرر في تصوير الطائفة الشيعية وكأنها منعزلة عن سائر المكوّنات الوطنية في أشدّ اللحظات التاريخية الدقيقة والموجبة للتلاقي وتوحيد الإرادة، خصوصاً بعد خوض “الحزب” حرب الجنوب وإلزام لبنان بها بدون اسشارة أيّ مكوّن من هذه المكوّنات، أو الاستئناس برأيها على الأقل.
وإلى ذلك تركت هذه المقاطعة انطباعاً عن تثبيت موقف استعلائي تجاه المعارضين وحتّى المؤيّدين طالما مارسه “الحزب” في الآونة الأخيرة، وألزم سائر مواقع الطائفة الشيعية به، سواء منها السياسية أو الدينية أو الاجتماعية أو المستقلّة. وقد صدرت غير إشارة إلى استياء هذه المواقع من جرّها إلى حالة صدامية لا ترغب فيها.
هذا في جانب الضرر من المقاطعة، أمّا في جانب النفع منها فيمكن اختصار المنافع باثنتين:
الأولى هي الكشف عن حقيقة الموقف السلبي، بل العدائي، تجاه بكركي ومواقف سيّدها البطريرك بشارة الراعي.
هذا العداء لم يكن ابن ساعته، أي مجرّد ورود عبارة رفض “الأعمال الإرهابية من لبنان” في عظة الراعي يوم الأحد الفائت، بل نتيجة تراكم النقمة لدى “الحزب” على مطالبة البطريرك الماروني، منذ ٤ سنوات، بحياد لبنان عن الصراعات. وقد تضاعفت هذه النقمة خلال الأسابيع الأخيرة حين بدأ الراعي بالدعوة إلى تطبيق القرارات الدولية الخاصة بلبنان، وتحديداً القرارات ١٥٥٩ و ١٦٨٠ و ١٧٠١، وهي تؤدّي عملياً إلى تحييد لبنان وإنقاذه من الحروب.
والمعروف أن هذه القرارات، معطوفةً على بعضها، تفرض بسط سلطة الجيش اللبناني على الأراضي اللبنانية وحلّ الميليشيات المسلّحة وضبط السيادة الوطنية على الحدود وضمان الاستقلال السياسي للبنان.
هذا في الواقع ما يُثير “محور الممانعة” الذي يرفع شعار “وحدة الساحات” وتسييب الحدود، ويربط لبنان بغزة عبر سوريا والعراق وصولاً إلى اليمن، تحت لواء القيادة الإيرانية. وقد جاءت عبارة “الأعمال الارهابية” كذريعة طارئة لتفجير الموقف العدائي ضد بكركي، وتحويل “الرمّانة” إلى “قلوب مليانة”!
ولا تخفى محاولات “الحزب” المتكررة منذ أشهر، وعبر وسائله الصحافية والمحلّلين باسمه، في التحريض على بكركي وبث السموم حول خلافها المفترض مع الفاتيكان، وآخرها سعي إلى لقاء بارولين خارج الصرح البطريركي، في محاولة مكشوفة لتهميش الراعي والكنيسة وبكركي.
والحقيقة أن أدبيات بكركي وسائر القوى السيادية تضمّنت دائماً إدانة تحويل لبنان إلى ممرّ أو مستقرّ للإرهاب منذ سبعينات وثمانينات القرن الفائت، حين درجت عادة خطف الرهائن الأجانب والطائرات المدنية والتفجيرات على أنواعها تحت مسمّيات منظّمات شهيرة ك”الألوية الحمراء” والجيش الأحمر الياباني” و”بادر ماينهوف” وكارلوس وحدّاد… وسواهم ممّن أتى بعدهم ووسّع عملياته إلى الخليج العربي وبلغاريا والأرجنتين وديار الله الواسعة.
أمّا المنفعة الثانية من المقاطعة فتكمن في طرح مأزق الاجتماع اللبناني تحت عناوين “العيش المشترك” و”الشراكة” والمساواة والعدالة والمناصفة ومفاهيم بناء الدولة الحديثة.
قد تكون المقاطعة فرصة لتأكيد المؤكّد أن هناك أزمة تفاهم وطني، ربما تجلّت في المواجهة الشيعية مع بكركي والقوى السياسية المسيحية الكبرى، لكنّها في عمقها أزمة بين شيعة “الحزب” وسائر المكوّنات الأخرى، بما فيها الشيعة الوطنيون الذين لا يؤمنون بعقيدته ولا بمشروعه السياسي المخالف لوصايا الأئمّة اللبنانيين الكبار.
وأيّ حوار فعلي، وأي مسعىً محلّي أو عربي أو دولي، يجب أن يتناولا حقيقة هذه الأزمة لتحديد مصير لبنان وطبيعة الدولة والنظام فيه وصيغة العلاقات بين “شعوبه”.
قد تكون عدائية “الحزب” لبكركي، ومعها معظم المسيحيين واللبنانيين، “رمية من غير رامِ”، فلا نكره شيئاً… “لعلّه خير”!