
انطلاقاً ممّا يجري، وما يجري ليس بريئاً، هناك نوع من التعدّي على مسيحيّي لبنان، وهو تعدٍّ يتتابعُ بانتظامٍ، من جانب المعروفين من مُستلِمي الشّأن العموميّ، بإعاقة انتخاب رئيس للجمهورية، متلطّين باتّهام المسيحيّين السياديّين، وعلى رأسهم القوات اللبنانية، بتعطيلهم بدعة الحوار غير الدستوريّة، مقدّمةً لانتخاب الرئيس المسيحيّ العتيد. والحقيقة أنّ المُتَعَدّين على الدّستور، وعلى السيادةِ والكيانِ والهويّة، ربّما لم يعد يهمّهم التَّماسُ مع سواهم مِمَّن يعتنقون معتقداتٍ مختلفة، بحُكمِ عامل الديموغرافيا، أو بدافع التعصّب الأرعن، أو بفعل فائض القوة التي كانت في أساس المجتمعاتِ البدائية.
إنّ الإرتكاباتِ الهمجيّةَ التي تصفعُ صفاءَ المسيحيّة في لبنان، بمواقفَ وخطاباتٍ لاذِعة، يتوجَّبُ، قبالتَها، توجيهُ رسالةٍ واضحةٍ الى أولئكَ الذين لا يعرفون المسيحيّةَ، ويشيحون بوجههم عن نضالِ أتباعِها، في الشَّرق وفي لبنان، والذين يَشهدون، ويُستشهَدون للحقّ والحريّة والسّلام، والكرامة، عنهم وعن غيرهم.
إنّ أقدم الكارِزين بالإنجيل هم مسيحيّو لبنانَ المتجذِّرون في الأرض التي نَمَت فوقَها الكنيسة الأولى. ولطالما كان وجودُهم، في مقابلِ ثيوقراطيّين غيرهم، شاهداً على الفداء، وهو أبلغ ثمنٍ يُمكن أن يدفعَه شعبٌ من أجل هدفٍ سامٍ . أمّا الهدف فهو الحفاظُ على دَورٍ حضاريٍّ تَمَدّنيٍّ مِحوريٍّ، يُسهم في صياغة حالة ائتلافيّة إثنيّة، في غمرة المراحلِ التغييريةِ والتشرذميّةِ التي عصفت بالمنطقة، وفي مُقدّمِها مراحلُ التطرّفِ الهَمَجيِّ الأَرعَن.
إنّ المسيحيّين في لبنان، الذين تمسّكوا بهويّتهم الثقافيّة ، أصرّوا على إبرازِ موقفٍ دائمٍ داعمٍ للهويّة الوطنيّة، ولفكرة القوميّةِ التي، هم أوجدوها، على عكس ما حاول البعضُ ترويجَه عن انعزاليّةٍ مسيحيّة وتقوقعٍ مذهبي. فالمسيحيّون هم أكثر الشرائح قدرةً على الإندماج، والعيشِ المشترَك مع غيرهم من المكوّنات الدينية والثُقافية ، بالرّغم من التحدّيات المتعاقبة، ومخطّطات التّذويب، واستبداديّة المتسلِّطينَ الغريزيّين، التي استقصدت مصيرَهم، وأحكمت قبضتَها على وجودهم، بهدف تفريغ لبنانَ منهم، وما قيلَ، منذُ قريبِ الوقت، عن مدنيّين ودينيّين، معلومُ الوجهةِ والهدف.
ينبغي أن يعرفَ المتهجِّمون أنّه كان للمسيحيّين الهِمّةُ الفاعلة لبناء كيانٍ سياسيٍّ ، هو الكيانُ اللبنانيّ، والذي لم يَفتتحوه مسيحيّاً إقصائيّاً، بقدر ما صاغوه نموذجاً لِعيشٍ فريد يُسقِطُ النموذجَ العنصريَّ والأحاديَّ العِرق . إنّ مسيحيّي لبنان الذين هم من سلالةِ السريانِ والأشوريّين، أسّسوا لديمقراطيّةٍ عملت على أن تَكفلَ الحريّاتِ وحقوقَ الناس، لكلّ الناس. وقد افتدى المسيحيّونَ هذه الحريات والحقوق بشلاّلٍ من الرِّجالِ، ليبقى للكرامةِ في لبنانَ، وفي الشرق العربيّ أيضاً، مَوطِئ . وهم هكذا، لم يحيدوا عن قناعاتهم المسيحيّة، وعن شهادتهم لفلسفةِ الصّليب، ليُؤَمِّنوا وجوداً مُصاناً ومضموناً وأكثرَ أماناً ، بين أكثريّاتٍ راودَ بعضَ مهووسيها الحلُّ القمعيُّ الذي لم ينجح، عمليّاً، سوى بِتَفَشّي روحٍ جهاديّةٍ مسيحيّة إلزاميّةٍ من أجل الصّمودِ والبقاء ، ولصالح الجميع.
لقد آمن المسيحيّون اللبنانيّونَ بالنّسيجِ الإنساني، بعيداً عن الفَوارقِ المذهبيّةِ التي زاوجَت قناعاتِ الكثيرينَ من غيرِهم، ونَخَرَت جماجمَهم العَوراء. في حين اعتبرها المسيحيّونَ قيمةً مُضافة ،لا سبباً للإحترابِ والسِّجال ، وهذا ما شكّل التركيبةَ المعجزةَ للبنان على مَرِّ العقود . فالمذاهب، بحسبِ قناعةِ المسيحيّين، تُرسِّخُ التعدّديةَ، وتَجمعُ بين القواسم، وتُحضّرُ لنهضةٍ مُنتِجَةٍ على أنقاضِ انحطاطِ البروتوتيبيّاتِ البغيضةِ، والتعصّبِ النَمَطيّ . من هنا ، يرفض المسيحيّون مَقولةَ اعتبارِهم أقليّةً عِرقيّةً في نسيجٍ أكثريٍّ مُغاير ، فهذه محاولةٌ سافرةٌ ومُغرِضَةٌ لتقويضِ فرصةِ العيش المشترك الأهليِّ، والشراكةِ في الوطن، وفي المصيرِ القوميِّ أيضاً .
أمّا الخلل، فيكمن في رفضِ مقاربةٍ موضوعيّةٍ واحدةٍ للشّركة ، وإنْ حاولَ البعضُ تَمويهَ هذه الخطّةِ بخُطاباتٍ شعبويّة، وبوعودٍ لم تَعُدْ تنطلي على أحد. فالمسيحيّون ينشطونَ لتحقيقِ المزيدِ من الإنفتاحِ على الآخر، لاستعادةِ التوازنِ بالتمثيلِ، والإعترافِ بالحقوق . لكنَّ الذين تَبَنَّوا المفهومَ الملتويَ للطائفيّةِ، والقائمِ على مشاريعَ مشبوهةٍ مُستَورَدَة، ضَخَّموا مَيلَهم الى الاستبدادِ والاستئثارِ، تارةً بعامِلِ العدديّة، وتارةً بعامِلِ فائضِ القوة، ما أنتجَ عندَهم موقفاً فَوقِيّاً، دمَّرَ معادلةَ المساواةِ في الحقِّ. من هنا، غَدَت الطائفيّةُ، مع هؤلاء، مُعضلةً، بدلاً من أن تكونَ منطلقاً حضاريّاً لبناءِ وطنٍ جامِعٍ وراقٍ، كما يقاربُها المسيحيّون.
وللتَّذكير، لقد حدّد نهجُ الصّحابةِ سُنّةَ العلاقةِ بين الإنسان والإنسان ، فانطلقت مسيرةُ العيشِ المُتكافِلِ مُرتكِزةً على أساسٍ واحدٍ هو حفظُ حقِّ الكرامةِ الإنسانيّة . لكنّ الجَهلَ البغيضَ بمفهومِ الدّين، والتشَبُّثَ بالأنانيّاتِ المنحرفة ، والإستقواءَ بزنودِ الخارج، حوّلت زمنَ لبنانَ الى عصرِ ظلام، وسَاد الخُطاب التكفيريُّ المُعَمِّقُ لِهوّةِ العدائيةِ والقلق ، فتحوَّلَ حوارُ الحضارات رماداً. وهذا الحِوارُ كان ظاهرةً مسيحيّةً، ودعوةً مسيحيّةً، كان ينبغي الترصُّدُ لها ، لأنّها تستندُ الى مُسلّماتٍ إنسانيّةٍ قوامُها الإعترافُ بالآخرِ، واحترامُ وجودِهِ ورأيِه . هذا الحوارُ ما كان لِيولَدَ لو لم يكن الحضورُ المسيحيُّ موجوداً وفاعلاً ومُنفتحاً ومُنخرطاً في هَمِّ مجتمعِه الوطنيِّ، وليس وجوداً تراكُميّاً، كما غيرُه. وهذا الحوار لم يكن ليترسّخ لو لم يكن المسيحيّون، أيضاً، هم المُبادِرين الى لَمِّ الشّملِ، وفَتحِ كُوّةِ العبورِ الى الحريّةِ والديمقراطيّةِ والحقِّ بالعيشِ الكريمِ للجميع، من دون استثناءات.
لقد تعلَّقَ المسيحيون، انطلاقاً من التزامِهم بالمسيحيّة، بأرضِ لبنان، لتحويلِها الى مَلكوتٍ راقٍ ينعمُ فيهِ الجميع. وكانوا الفَعَلةَ المُناضِلين الذين سَطَّروا، بدَمِهم، سِفرَ الخلاص والنّور. من هنا، ليس المسيحيّونَ، في لبنانَ، غزاةً أو مرتزقةً، وليسوا دُخَلاءَ أو طارئين، إنّهم الوحيدون الذين دفعوا، على مَرِّ الزَّمنِ المَشهود، ثمنَ لبنانَ الكرامة، لبنانَ البقاء، لبنانَ الأرضِ والأرز، لبنانَ العزَّةِ والسيادة، وهم مستَعِدّون لإعادةِ إنتاجِ شهداءَ جُدُدٍ، إذا كان الواجِبُ يقتضي المحافظةَ على وجودِهم، والدفاعَ عن كرامتِهم، وبقاءِ الوطن.
أيّها الغافِلونَ المتعصِّبون المتهوِّرون، لو عَصَرتُم ترابَ لبنان، لَنَضَحَ منه عَرَقٌ مسيحيٌّ ودَمّ…