
صوتها المميز كقصتها أوصلها الى العالمية، فوقفت على أهم المسارح متميزة لبنانية في عالم الجاز. أن تكون رندا غصوب لبنانية ـ جازية، ليس بالأمر السهل حتمًا، لكنها أسوة بكثيرين من أبناء وطنها، حوّلت أوقات الأزمات والخوف الى محطات للعمل الجدي وتطوير الذات، فتبدّل ما كان يُعتقد مستحيلًا الى إبداع وعالمية. هذا ما فعلته المغنية اللبنانية ـ الكندية العالمية رندا غصوب، التي قررت التغلب على أصوات القذائف أيام المواجهات اللبنانية، ويوم كانت طفلة تشق طريقها نحو المراهقة، بسماع موسيقى الجاز… حتى أصبحت من أربابها.
طفولة رندا التي تغطت عليها الحرب والهجرة والانتقال من مدرسة الى أخرى، ومن لبنان الى الخارج أكثر من مرة، كوّنت ما هي عليه اليوم. فهي التي تربت في بيروت وجالت في شوارعها الجميلة المتألقة، وتعلمت في إحدى مدارسها… ومن ثم غنّت في مقاهيها وعلى مسارحها. حملت لبنان يوم قررت المغادرة، الى مسارح نيويورك ولندن وهولندا وكندا… والعالم، فغنت بما لا يشبه ثقافتها وجوّها اللبناني بكثير من التفرد، حتى باتت علمًا لا بل مدرسةً في هذا الفن.
إبنة بكفيا التي ولدت في زحلة، نشأت وكبرت في بيروت. في مدرسة البوزنسون أنهت سنوات دراستها الأولى، ومع اندلاع شرارة المواجهات في العام 1975، سافرت مع عائلتها الى فرنسا وبقيت هناك لـ5 سنوات، قبل أن تقرر العائلة العودة الى بيروت، معتقدة أن الحرب شارفت على النهاية.
لم تتمكن رندا بعد هذه العودة من الالتحاق مجددًا بمدرستها القديمة، ما ترك عندها حنينًا كبيرًا وطبع في ذاكرتها، فانتقلت الى مدرسة الليسيه بغية متابعة المنهج الفرنسي الذي كانت قد بدأت به في فرنسا.
بعد التخرج المدرسي، حصلت رندا على إجازة في الأدب الفرنسي من جامعة القديس يوسف في بيروت، ثم التحقت بمعهد الدراسات السينمائية والسمعية البصرية والسينمائية IESAV، غير قادرة على الحصول على الشهادة الجامعية في هذا الاختصاص، بسبب تجدد الحرب، فتركت لبنان في العام 1989 الى كندا، ولا تزال هناك، تطل سنويًا ومنذ العام 2006، على مسرح la Place des Arts في مونتريال، وتمنّي نفسها بالعودة يومًا ما الى بلد الأرز للاستقرار فيه نهائيًا.
“العائلة تشتت، وأفرادها منتشرون بين فرنسا وسويسرا وإفريقيا والبرازيل والولايات المتحدة وكندا. أختي رولا طبيبة في فلوريدا، ووالدتي معي في مونتريال، أما الاجتماع بالعائلة الكبيرة، كما كنا نفعل صغارًا زمن الميلاد، فأمر شبه مستحيل”، تقول رندا غصوب لموقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني، بصوت يخنقه الحنين.
صدمة الحرب رافقت رندا لسنوات ولا تزال، “كنا نعيش حياة سعيدة وهانئة، وكانت مدرستي (البوزنسون) الواقعة في ستاركو ـ وادي أبو جميل، تعني لي الكثير. أحببت بيروت طفلة، كانت والدتي تصطحبنا كل يوم خميس بعد المدرسة، الى شارع الحمرا، وبركة العنتبلي في الأسواق”، تتنهد رندا غصوب وتتنفس الصعداء، ثم تتابع: “كنا في نزهة في الجبل يوم 13 نيسان 1975، ولدى عودتنا الى بيتنا في بدارو، أبلغ حارس المبنى والدتي بما حصل. كان الجو متوترًا، وأحسسنا أن شيئًا ما في حياتنا سيتغير”، تقول رندا التي تتابع: “الحرب وتشتت العائلة أكثر ما أثر في طفولتي، كما في طفولة آلاف اللبنانيين. تخيلي أننا كنا نعيش بفرح وسلام، وفجأة، بين يوم وآخر اندلعت الحرب، وانقلبت الأمور رأسًا على عقب… صعبة”.
تتوقف رندا غصوب عند قدرة اللبنانيين على تخطي الظروف الصعبة، وتلفت الى أنها أسوة بالآلاف من الذين برعوا، تمكنت من التوفيق بين الدراسة وظروف الحرب، وما ساعدها كثيرًا هو الموسيقى.
“تعرفت على الجاز في تلك المرحلة، وأصبحت شغوفة تجاه هذا الفن. أثناء القصف كنت أهرب من أصوات القذائف، من خلال الاستماع الى أسطوانات الجاز التي نسختها على الكاسيتات، وهذا الأمر ساعدني كثيرًا، كما كنت أغني للجيران والأصدقاء المختبئين في الملجأ لتهدئة مخاوفهم وقلقهم”، تلفت رندا، التي اكتشفت سرّ هذه الموسيقى في صندوق كبير ورثه والدها عن أعزّ صديق لديه، وطلب إليها الا تفتحه، ولأن كل ممنوع مرغوب، خالفت إرادة الوالد، ليتبين لها أن في الصندوق أسطوانات جاز لأهم الموسيقيين العالميين. وعلى الرغم من أنها لم تكن تتقن الإنكليزية، إلا أنها أغرمت بهذه الموسيقى، وبدأت قصة غرامها الفنية تتطور.
من فاريا، وعن عمر لم يتجاوز الـ17 عامًا، بدأت رندا غصوب مشوارها الفني الجازي، ثم تنقلت بين أهم النوادي الليلة في بيروت، فأدت لمغنين عالميين في Retro ـ سرسق، بعدها تعرفت الى الموسيقي والملحن زياد الرحباني وتعاملت معه، في الـ Theatro والـGrill 101 والـBlue Note. هذه المحطات، صقلت شغف رندا غصوب الموسيقي وسهلّت لها الإطلالات العالمية، فتنقّلت بين الولايات المتحدة الأميركية وكندا وعدد كبير من دول العالم بحفلات ضخمة وكبيرة. غنت في Van Dyke في ميامي والـ Blue Note في نيويورك عاميّ 2015 و2018، وفي نادي Ronnie Scott الشهير في لندن، كما أطلت بحفلة رائعة عام 2008، في مهرجان Womad Festival Cornwall في إنكلترا مع Peter Gabriel، وتألقت في هافانا مع فرقة كوبية، مسجلة أغنيتين بصوتها… وهذا غيض من فيض عملها العالمي.
حنينها الكبير الى أصولها اللبنانية وبداياتها الموسيقية، دفعها الى المشاركة في مهرجانات بيت الدين وزوق مكايل إضافة الى الحفلات التي أطلت فيها على مسرح المدينة في العام 2005 والواجهة البحرية لبيروت ووسط بيروت، كما شاركت في مهرجانات الألعاب الأسيوية في قطر عام 2006، ومهرجان الجاز في دبي عام 2006، وقطر عام 2007.
“ربما كانت العالمية ستكون صعبة في الجاز لو بقيت في لبنان، لأن الفرق بين أن تكونين في نيويورك وتتعاملين مع أهم رجالات الجاز في العالم، أو في لبنان، شاسع جدًا. لو لم أغادر الى كندا، كنت أكيد سأبقى في المجال الذي بدأت فيه، لكن الأكيد أيضًا، أن الفرص لم تكن لتكون بما حصلت عليها. في مطلق الأحوال، لا أحد يعرف ماذا كانت ستخبئ لي الأيام وما هي الحسنات والسيئات”، تقول رندا، التي ضمت الى رصيدها الموسيقي، 5 البومات، أولها بعنوان Pillow talk الذي أنجزته في ميامي مع “جازمان” أميركيين، بعدها ألبوم I belong التي سجلته في أمستردام مع موسيقيين هولنديين، ليبصر Moon Breeze وهو الالبوم الثالث النور في مونتريال، وقد أنجزته مع موسيقيين أميركيين وكنديين مشهورين، أما ألبومها الرابع Subtle Thrills فسجلته في نيويورك مع موسيقيين أميركيين، وأهدت ألبومها الخامس الذي صدر منذ عام، بعنوان Randa sings Aznavour، الى شارل أزنفور، فعُزفت أغاني هذا الفنان العالمي بأسلوب جازي فيما غنتهم رندا. “كان أزنافور يحب الجاز، لديه ألبوم باسم Jazznavour، وهو كان قريبًا جدًا من النمط والروحية الجازية”، توضح رندا غصوب، التي تعترف أنها لم تكن تتوقع تحقيق ما هي عليه اليوم، “الحياة قدمت لي أمورًا جميلة، وأعتقد أنني محظوظة لأنني تعرفت الى شخصيات عالمية في الجاز، عملت معهم ووقفت وإياهم على أهم المسارح وبتنا أصدقاء، وأذكر أنني كنت أحلم بالتعرف إليهم”.
لا تخفي رندا الأفكار السياسية التي تؤمن بها، فما تعتبره صحيحًا أو منسجمًا مع أفكارها، لا يجب أن يؤثر على مهنتها. “العالم كله منقسم، والناس تتميز باختلافاتها، ومن حق الإنسان أن يكون حرًا في إبداء رأيه والدفاع عن قناعاته. على الناس أن يقدروا الفن كفن، وأن يبتعدوا عن إطلاق الأحكام المسبقة على الفنان بحسب انتماءاته”، تؤكد رندا غصوب التي تضيف: “أنا غير معنية بالفكر السياسي لأي فنان، طالما يقدم لي فنًا جميلاً وراقيًا، لأن هذا أمر خاص جدًا”.
شغفها للبنان ولقضيته التاريخية المحقة ولّد عندها الفضول ودفعها لطلب موعد للتعرف الى رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع. “أصرّيت على لقائه، فهو أول سياسي لبناني دخل المعتقل إيمانًا منه بأفكاره، وهو السياسي الوحيد الذي اعتذر من الشعب اللبناني عن الحرب. أعجبت بشخصيته وأحببت لقاءه. عندما التقينا، غصنا في الكثير من المواضيع وأكثر ما أثرّ فيّ تعاطفه مع كل الأمور الإنسانية المحقة. سمير جعجع مستمع لبق، ويقدّر الظروف الإنسانية التي يستمع إليها. برأيي فترة الاعتقال والوحدة، جعلت منه شخصًا ناضجًا وحكيمًا. خرجت بانطباع إيجابي، وبكثير من التأثر”، تقول رندا غصوب التي تحمل أصولها اللبنانية في قلبها وفي كل محطة من محطات حياتها.
“أعيش في كندا، لكنني أتابع أخبار لبنان لحظة بلحظة، حتى أنني غالبًا ما أتصل بأصدقائي في لبنان حتى أخبرهم عن حدث ما، يكونون على غير دراية به بعد. في الحقيقة، أخجل من أصدقائي الكنديين، فكندا قدمت لي الكثير، الأمان والسلام والاستقبال الرائع، كما شرّعت أمامي أبواب النجاح العالمي، وأحيانًا أنا لا أداري شعورهم بما يتعلّق بلبنانيتي وأصولي اللبنانية. صحيح أن لبنان بلد صغير، لكنّ مفعوله كبير، ألمس ذلك بنجاحات اللبنانيين في المجالات كافة. صيتنا جيد جدًا خارج لبنان، نحن متألقون وناجحون، كل ما نحتاجه هو السلام ونمط حياة طبيعي، وحتمًا سنبدع”، تؤكد رندا.
تتحدث رندا غصوب عن الغد بكثير من الأمل، إن من خلال مشاريعها المستقبلية في مهنتها وإن من خلال فكرة العودة الى لبنان. تلحّ على ضرورة أن يصار الى إدارة جيدة للبلاد، لأنه لا يمكن الاستمرار بالعيش في بلد يُدار بهذه الطريقة السيئة. تعترف بأنها ستجد صعوبة كبيرة جدًا في التأقلم إن عادت اليوم، بعدما عاشت في النظام والانتظام 30 عامًا. حلم العودة الى بلد الـ10452 كيلومترًا مربعًا لا يفارقها، فهي تريد أن تشيخ هنا… “لكن السنوات تمرّ ولا زلت أعيش في كندا وهذا أمر مؤلم”، تختم رندا غصوب المتألقة صوتًا وأداء في موسيقى متعددة الثقافات والإيقاعات، بصوتها المدوي باسم السلام الذي يجعل لبنان مرفوعًا الى افق بعيد، وبعيد جدًا.
