
“ثقافتكم تستجلب الموت”.. نقولها بالفم الملآن فقد تقيّأنا رغبتكم بالموت واندماجكم بفلسفة اللا حياة. مؤلم وقاهر منظر شباب بعمر الورد يسقطون واحداً تلو الآخر لأجل مشاريع إيديولوجية توسّعية لا تمتُّ لمنطق لبنان الكيان بشيء. محرق منظر هؤلاء الشباب وفي الضفة الأخرى آخرون بعمرهم يتمتعون بالـ”حياة” الحقيقية، يعيشون بعيداً عن الحروب، يختبرون التجارب المعمّرة لشخصياتهم والقادرة عن بناء جيل المستقبل.
هاتان الثقافتان تتصارعان “منذ الأزل” في لبنان. إحداهما تريد الـ”حياة”، تريد دولة قائمة قادرة على حماية أبنائها والحفاظ على كرامتهم، مسؤولة عن أمنهم وأمانهم، تأخذ قراراتها بصلابة، لا جيش فيها إلا الجيش اللبناني ولا سلاح إلا السلاح الشرعي. في حين، الأخرى تستجلب الحروب من كل حدب وصوب، تضحّي بشعبها كرمى لعيون أنظمة شمولية لا قيمة للفرد فيها، تدمّر بيروت وتقتل شعب لبنان، تسيطر على مغانمه وتعيده عشرات السنين إلى الوراء، ثقافة لا تنتج إلا الموت والدمار ولا تقوم إلا على حصد الأرواح والأرزاق.
صحيح أن الثقافتين تتصارعان دائماً أبداً، غير أن مسؤولية كبرى تقع على عاتق الشعب اللبناني الذي لا مساحة رمادية عنده بعد الآن، إنما هو مجبر على الاختيار بين ثقافتين لا ثالث لهما، إما ثقافة الحياة ومن يمثّلها وإما ثقافة الموت التي يمثّلها محور الموت. لا يمكن إعفاء اللبنانيين من واجباتهم، فهم إن أحسنوا الاختيار في الاستحقاقات الديمقراطية أنتجوا برلماناً قادراً على انتخاب رئيس سيادي يبدأ من عنده انتظام كافة مؤسسات الدولة ويبدأ مسار دحر ثقافة الموت.
المسار طويل وصعب ومعقد لكن التخلي عن هدف إعادة لبنان إلى ثقافة الـ”حياة” ممنوع. لبنان، كل لبنان بكل طوائفه وانتماءاته، عليه أن يندرج في ثقافة الـ”حياة “وحب الحياة. على شبابه أن يتمسّكوا بحياتهم لا أن يقدّموها ضحية لمشاريع توسّعية ما عادت بالخير يوماً على وطنهم.
بعيداً من الحقد والكراهية ومنطق الغالب والمغلوب والصراعات الطائفية، لبنان يحتاج للـ”حياة”، ولا يعيدها إليه إلا شبابه وقناعتهم به وطناً فوق كل الأوطان ودولة لا دويلة فيها ولا سلاح إلا سلاح دولة لبنان. النضال في سبيل هذا المشروع قائم ومستمر، والمقتنعون به من داخل بيئة “الحزب” إلى تزايد مستمر، ولا بد أن يبصر لبنان كله نور الـ”حياة” من جديد.
