صحيفة النهار- نبيل بومنصف
ثمة تجارب كثيرة في تاريخ الصراعات والحروب طالت فيها عمليات التمهيد والاعتمال والاحتقان والتعبئة السابقة لانفجار الحرب بين الفريقين لمدد طويلة جدا، ولكن ليس في التاريخ الأحدث تجربة أطول من سنتين استهلكتهما عمليات تحشيد الجيش الروسي لغزو أوكرانيا، إذ استمر سنتين بين 2020 و2022 قبل الشروع الميداني الاحتلالي في الغزو.
تبعا لذلك، ترانا أمام السوء المطلق الذي يضطرنا دوما إلى مراجعة تاريخنا وتاريخ الآخرين كلما هبت رياح مشؤومة تستعيد لبنان قسرا إلى أقدار ومصائر قسرية تفرض عليه كبلد واهن أسير لدى إرادات الأقوياء، سواء كانوا أقرباء وأبناء من داخل أو حلفاء مزعومين وأعداء من خارج.
وفي هذا المفترق نقف أمام تموز هذه السنة، كشهر مصيري مفصلي حقا قياسا بما “يتهاطل” على رؤوس اللبنانيين ومرآهم وأسماعهم وأنظارهم من “كميات” وأحجام خيالية قياسية يوميا من نبوءات وتقديرات ومعلومات ومعطيات إعلامية وميدانية وسياسية تفوق القدرة العلمية الجامدة على استنباط الحقيقة المتجردة وفرزها عن العبث بعقول الناس.
أيا يكن مسار هذه “الهستيريا المعرفية” التصاعدية التي تتصل بسؤال العصر “متى وهل وكيف” تندلع الحرب الكبرى (ولا حاجة إلى “أين” لأن الساحة معروفة) فإن المجريات التمهيدية لهذا الويل الموعود جعلت منه كحرب “محتملة” أقرب ما تكون إلى موعد تخويفي أو جدي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما لم يفتح جوف المفاجآت على تسوية ديبلوماسية طال انتظارها إلى حدود اليأس، إن في غزة أو في الجنوب اللبناني “المشاغل” لغزة.
طالت مجريات الحربين هناك وهنا، إلى حدود سقوط أي عامل مفاجأة غالبا ما يواكب أي حرب صاعقة في تاريخ الصراعات العربية – الإسرائيلية عموما والحروب بين إسرائيل والفلسطينيين تحديدا.
مع الأشهر التسعة التي تناهز حرب غزة “الإبادية” على طيها وحرب الجنوب “المحدودة” والمنذرة في أي لحظة بإشعال حرب إقليمية قد تكون الأشمل والأخطر إطلاقا، تسقط حتى المقارنة بين تموز 2006 وتموز 2024 لأن مصادفة “التموزين” لن تكون شيئا يذكر سوى مجرد مصادفة زمنية، إن حلّ الهول الذي يخشاه اللبنانيون بمرور تموز وما بعده وبعد بعده إلى ما لا نهاية، إذ إن تجارب مرعبة من مثل تلك الجاري التهويل بها عليهم في حال وقوع المحظور.
في 12 تموز ذاك قبل 18 عاما قيل إن “مفاجأة” أشعلت الحرب بما لا ينساق ولا ينطبق إطلاقا الآن مع تسعة أشهر من حربين تعدّان الأطول في تاريخ المواجهات والحروب العربية الفلسطينية مع إسرائيل. لذا يكبر “وهم” و”خطر” تموز في آن واحد، لأن هذا الشهر الفريد والخطير يحمل حلول استحقاقات دولية كما حربية فائقة “الفرادة” في تزامنها، فيما ضاعت تماما بورصة التوقعات حيال غزة كما حيال “جبهة الشمال”، وصار الحسم في التوقعات أصعب منه في ساحات الحربين.
أن يكون تموز شهر الحرب الأخطر من أن نتصور أهوالها، كما يمكن أن يكون شهر بدء التسوية المانعة للانفجار، هو الانطباع الأكثر إثارة لضياع لبناني عارم في المقام الأول، ونكاد نقول ضياعا “عالميا” في الدرجة الثانية. حتما حال اللبنانيين هي “الجمرة التي لا تحرق إلا مكانها”، ولكن أن نرى أيضا مجتمعا دوليا يغدق علينا التحذيرات المتصاعدة ولا يقوى إلا على الانتظار، مثله مثل اللبنانيين، فهو الأمر الأشد إثارة للغرائبية، ولكن أيضا لمزيد من التوجس والتخبط حيال سباق الأسابيع المقبلة مع ذاك المجهول…