#adsense

24 … الموعد الفزّاعة أم “القدر”؟!

حجم الخط

صحيفة النهار- نبيل بومنصف

ليس في تاريخ تجارب الشعوب والبلدان، أقله تلك التي “تنتمي” الى تصنيف العالم الثالث الذي نظن أنه تهاوى واقعياً بعدما انضمّت بلدان متقدمة في التمدن والتحضر الى ذاك العالم، من ذاق ولا يزال يتذوّق قسراً كاللبنانيين الطعم المرّ لحشرهم في خانة مواعيد زمنية تهوّل عليهم بسوء المصير أو بغامض المصير. قصة اللبنانيين مع المواعيد المشؤومة تاريخيّة وقديمة تضرب عميقاً في أرشيف مليء بكل ما ينضح مؤامرات واقتتالاً واحتلالاً وقتلاً واغتيالاً وتصفيات الى محطات ضخمة من مسارات التعثر والانهماك الدائم في البحث عن استقرار “ذهب مع الريح” ولم يعد منذ محطة تاريخيّة هي الأشدّ شؤماً في 13 نيسان 1975 صارت بمثابة القاطرة القدرية القاتمة لما تبعها من محطات “شقيقة” مماثلة ومتناسلة حتى يومنا الحالي وما “سيليه” تباعاً.

 

هذا الجانب الظلامي والمظلم في مسار لبنان أقله منذ نحو ستة عقود ما كان يتصوّر اللبنانيون، أو للدقة الموضوعية “بعض” اللبنانيين مثلنا وعلى غرارنا “المهجوسين” بقدرية تستعيد زجّ مصيرنا بين أيدي العابثين الداخليين والخارجيين، حين اشتعلت حرب غزة في السابع الشهير من أكتوبر الماضي، أن يربطوا بذاك الرابط المشؤوم بين جنوب لبنان وغزة الى حدود ارتهان لبنان بزيارة وخطاب وما بعدهما في 24 تموز الحالي…

 

هكذا بكل تبسيط، كأن قدر لبنان كُتب على صفحات الفزاعات، يقال لنا وسيقال كل يوم وسط تضخيم وتركيز إعلامي هائل، بأن “موعدكم مع الحرب” رهن خطاب نتنياهو في الكونغرس في 24 تموز، بلا رفّة جفن. والحال أنه بصرف النظر عمّا سيحصل في الفاصل من الأيام عن ذاك الموعد أو بعده، وبصرف النظر عن التهويل من الحقيقة في جعل هذا الموعد تاريخاً مفصلياً لـ”حرب لبنان الكبرى” أو التسوية المتسللة تحت جنح التهويل أو ما بينهما مما يبقي الجبهة الجنوبية رهن استنزاف أطول، لا تقف دلالات هذا التطور عند استباق ما قد يكون توقعه أشبه بضرب من الرعونة المفرطة عملياً.

 

بل تعنينا هنا تحديداً معاناة اللبنانيين “التاريخية” أمام هذا النوع من إخضاعهم لمفهوم التسليم والاستسلام لقدر يأتي على يد خارج أو داخل ولا قدرة لهم إطلاقاً على مواجهته إلا بسلوكيات جماعية وفردية عفوية تماماً. ولعل التفسير المنطقي أولاً وأخيراً للتلاعب السهل والمتاح بأقدار اللبنانيين الى حدود تعليق مصير بلد بهذه العبثية المخيفة على مواعيد من هنا وهناك، لا تنفصل منذ عام 1975 حتى 2024 عن انهيار فكرة الدولة وواقعها ووجودها ومظلتها الحامية والرادعة والتي وحدها كان يمكن أن تسقط هذا المسار الذي لم يعد قدرياً أبداً بل صار سلاحاً فتّاكاً مخيفاً استُعمل بنجاح منقطع النظير لجعل الشعب اللبناني النقطة الأضعف إطلاقاً في إعادة تكوين الدولة القويّة الحامية، وهذا ما حصل.

 

وأما المفارقة الأشد إثارة للسخرية في ارتفاع التحذيرات المتوهّجة من “موعد ما” مثل 24 تموز الحالي فهي أن يغدو الموعد الموعود نقطة تقاطع للأعداء في توظيفه وتناوله دعائياً وإعلامياً كلٌّ في اتجاه مآربه وحساباته وخططه فيما لا شيء إطلاقاً سيمنع احتمالاً من الاحتمالات بأن يمر الموعد ولا تقع الواقعة الرهيبة، ومع ذلك ستغدو “أنشودة” الحرب الكبيرة لحناً للتخويف من هنا وهناك وسط افتقاد لاعب وحيد كان يُفترض وجوده لإسكات العزف المشؤوم على وتر مواعيد الموت… لاعب اسمه الدولة اللبنانية، لا أراكم الله مكروهاً!​

المصدر:
النهار

خبر عاجل