Site icon Lebanese Forces Official Website

“الحزب” بين خسارتين: تسوية الجنوب ومأزق الداخل

لستُ مع الإدّعاء أننا ككتّاب ومحلّلين نملك “أسراراً سياسية أو عسكرية” نتبرّع بها على هواء الشاشات والإذاعات وفي المقالات والتصريحات والتسريبات، كما يفعل بعض “المحلّلين”، خصوصاً الناطقين منهم باسم “محور الممانعة والمقاومة”، بل أسعى إلى تقديم قراءات نقدية للتطورات والموازين والعلاقات، وأحاول استشراف “الأيام التالية” في لبنان والمنطقة.

والحقيقة أن زمن “السبق الصحافي” أو “السكوبّات” قد ولّى مع انفتاح العالم على ثورة المعرفة وسرعة تناقل الأخبار وتغطية الأحداث العسكرية أو السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسواها، ولم يبقَ سوى البصر الثاقب والبصيرة المستنيرة والعقل المستنبِط والتعبير الشفّاف.

على هذه الواقعية الهادئة والتواضع المعرفي، يمكن تقديم القراءات أو التحليلات أو الاستناجات، وكل ما سوى ذلك عروضات إعلامية وخبط في لعبة التبصير.

وبكلّ عقل بارد يمكن تقدير “اليوم التالي” في لبنان، بعدما دخلنا الشهر العاشر من “حرب المساندة والمشاغلة” التي افتتحها “حزب الله” على إسرائيل، لنلاحظ أنه بات محكوماً بتسوية ما بين الجنوب والداخل لا تمنحه الأثمان التي تتناسب مع حجمه المتعاظم عسكرياً وسياسياً إلى حدّ تصويره كعملاق إقليمي لا يشكّل لبنان سوى حلقة صغيرة من جبروته.

ولكنّ هذه الحلقة الصغيرة شديدة التعقيد بحيث تشكّل عقبة كأداء أمام المشروع الإيراني وتطبيقاته التي ينفّذها “الحزب” بأمانة كاملة.

والمشكلة البنيوية التي يعانيها هذا المشروع أنه بلغ تخمة نفوذه من اليمن إلى العراق وسوريا ولبنان، وبدأ يعاني الآن أزمة الاحتفاظ بما حققه، وليس ترف تحقيق المزيد منه.

وقد تجلّت بوادر هذه الأزمة في الاستحقاق الرئاسي الإيراني، سواء بالانكفاء الشعبي أو بالنتيجة “الاصلاحية”، كما تتجلّى في التخوّف من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض واستمرار نهج نتنياهو التصعيدي والحذر العربي من “الجار الإمبراطوري” المتغوّل.

كلّ هذه العوامل تضغط على السياسة الإيرانية القديمة “المتجددة” بوجه إصلاحي، بما ينعكس على وضع ذراعها الأولى في لبنان والمنطقة.

ومن هنا، يجد “حزب الله” نفسه بين مطرقة “التسوية الثقيلة” في الجنوب بما تتضمّن من شروط انسحابه، وبين سندان المعارضة الداخلية الشرسة التي تقطع عليه طريق الثمن السياسي الذي يمنّي نفسه به. وقد أثبتت هذه المعارضة من خلال حركتها الجديدة وخريطة الطريق التي وضعتها مدى تماسكها في التصدّي لمخطط “الثنائي” ولفيفه، ومنعه من بلوغ غايته.

لذلك، ليس من المبالغة القول إن هذا “الثنائي” يترجّح بين خسارتين:

ميدانياً في الجنوب بفقدانه عنوان “المقاومة” في حال انسحابه مئات الأمتار وليس الكيلومترات،

وسياسياً في بيروت بفشله في فرض رئيس للجمهورية من صلبه والاستيلاء على سائر المؤسسات.

ولا شماتة في هذه النتيجة المتوقعة، أو على الأقل التي تنصّ عليها التسوية المتداولة، بل دعوة إلى التعقّل والتبصّر، وإلى تلمّس وسيلة النزول عن أعلى الشجرة.

وحينذاك، لا أحد يأخذ على “الحزب” بقاءه ممثلاً سياسياً أوّل لبيئته وشريكاً كامل الحقوق في التوازن الوطني.

أمّا معاندته في التمسّك بعنوان “المقاومة وسلاحها” من خارج سياق الدولة وشرعيتها وسيادتها، فمسأله أخرى تفتح الباب اضطرارياً على صيغة حياة جديدة تتغيّر معها أشكال الحكم والتوافقات والعلاقات والنظام، تحت لواء “الوحدة”.

Exit mobile version