.jpg)
القضمُ يعني الإستيلاءَ التّدريجيَّ على أجزاء من البلاد، انتهاءً بالسيطرةِ على كلِّها. والقضمُ إستراتيجيّةٌ ذكيّة، يستخدمها المُنتدِبون، والمُستَعمِرون، لبسطِ سلطانهم كاملاً على مجموعِ مساحةِ الدولة التي يريدون امتلاكها.
من المتعارف عليه، في القاموس السياسيّ الدّولي، أنّ الدولة هي الشخصية المعنويّة الجامعة لأبنائها، على مساحةٍ من الأرض تُسمّى الوطن، وفي ظلِّ قوانين مرعيّةِ الإجراء، توفّر للمواطنين، جميعاً، حمايةً واحدة، ومساواة واحدة، استناداً الى معادلة الحقوق والواجبات، لينعم المواطنون، كلُّ المواطنين، بالسّلام، والأمان، والحريّة، والعدالة. في هذا السّياق، لطالما كان لبنان، وعلى امتداد تاريخه، يمثّل ما اعتبرَه بعضهم، ذلك النّعيم الذي كان يرتجيه أهلُ الجوار الذي كانت أنظمةُ الحكمِ فيه، تتلذّذ بمشاهدة سيول الدمّ. لكنّ هذه الحيثيّة الثّمينة، وبسبب تجاوزاتٍ وفسادٍ وتسرّبِ إيديولوجيّاتٍ هجينة، باتت على كفِّ الخطر. فتطويقُ الدولةِ، وبشكلٍ حثيث، بمصادرة قرارها، وابتزاز قدراتها، واغتيال دستورها، وسحقِ قوانينها، أدّى الى ضرب صيغة العيش فيها، وأودى بمستقبل أجيالها الى المجهول.
لقد بدأ القضمُ بتسويق نهجٍ عطّل الشّائع العلائقيَّ بين الناس، من محبةٍ وإخاءٍ، وتضامنٍ وتَشارُك، فنشرَ ما يناقضُ هذه المسلكيّات، من حقدٍ وبغضاء، ونفورٍ وعداوة. فما كان للناس إلّا أن انقسموا بين فريقٍ لاذَ بالدولة، آمِلاً بحمايتها، وفريقٍ تحصّن في صومعةِ مرجعيّته الطّائفيّة والمذهبيّة، وحتى الحزبيّة السياسيّة. ولمّا لم تكنِ الدولةُ دولةً قادرةً وموجودة، انسحبَ واقعُ الإحتماءِ بالمرجعيّات على الفريق الذي لاذ بالدولة، وأُصيبَ بنكسةٍ باترة. وهكذا، تأصّلَ مفهوم القَبَليّة في البلاد، وتناصَبَ الناسُ العداءَ والشرّ، وأصبح الوطن هيكلاً هشّاً معرَّضاً للإنهيار على قاطِنيه. وقد ألَّفَ القضمُ الطّائفيّ ظاهرةً أسّسَت لنظامٍ كاملٍ له دعائمُه، وأساساتُه، ومرجعيّاتُه في كلِّ القطاعات الوطنيّة، حتى صار هذا الواقع كياناً تضاءَلت، أمامه، أهميّة جميع أنواع الإرتباط الإجتماعي.
إنّ رحلة السيطرة على الدولة بدأت في وضع اليدِ على الحالة الإنتمائيّة للأفراد، دينيّاً وسياسيّاً، ثمّ تمدّدت بأفعالٍ مشبوهةٍ تهدمُ الموجود، لتُقيمَ على أنقاضه موجوداً آخر. أمّا ما أمَّنَ نجاحَ هذه الخطّة / المؤامرة، فهو ضَياع الحسّ بالمواطنة لدى الكثيرين من ساكِني البلاد. وكانت الخطوةُ التالية، بتكتيّةِ افتعالِ توتير بين أجنحةِ البيت الواحد، بدَفقِ الأموال للبعض، وبتوزيع الإتهامات على البعض الآخر، لا سيّما الإتهام بالخيانة والعمالة. وكأنّ إستراتيجيّة القضم، توسّلت أسلوب العثمانيّين في عصر السّلطنة، أي فَرِّقْ تَسُد، فدوّى الهَرجُ الخلافيّ، واستيقظتِ الأحقاد وشهوات الإنتقام، ما أمَّنَ تغطيةً لمآربِ القَضميّين.
واستمرّ القضميّون في خطّتهم، بتهشيم صورة الدولة، وباستباحة مؤسّساتها، وتقويض سلطتها، وأعلنوا قيامَ دويلةٍ قائمةٍ بذاتها، حلَّت محلّ الدولة، خصوصاً في القطاعات الخدماتيّة، ما جَذَب شريحة من المواطنين، تفيدُ من أُعطياتِ الدويلة، وتقديماتها، في مجالات الصحّة والإستشفاء والتّعليم والتمنية والإقتصاد… وهكذا، استغلّ القضميّون كُرهَ الناس للدولة، فتوسّلوا الخطاب الإستنهاضيّ المحفِّز على الإنقلاب على الدولة بصيغتها الرّاهنة، ما دفع بالمُستفيدين الى السّير في ركاب مُقَدِّمي الخدمات، هؤلاء الذين أمّنوا إنضاج الأرض ليؤمِنَ بعضُ الناسِ بتوجّهاتهم الإستراتيجية، توصّلاً لتَمَدُّدِ هذا ” الإيمان ” ليشمل باقي الناس.
أمّا السّتارُ الإيديولوجي الذي استغلّه القضميّون، فهو القضيّة الفلسطينيّة التي تخلّى عنها أكثرُ العرب، واحتلال العدوّ بعض أرضِ لبنان في الجنوب. فشرّعوا سلاحهم غير الشّرعي، وتمدّدوا في اتّجاهاتٍ مختلفة، وصادروا قرار الحرب والسِّلم، وأقنعوا بعض الناس، بأنّ سلاحهم هو لحماية الوطن، ولإسناد الفلسطينيّين في حربهم ضدّ الصّهاينة، لا سيّما وأنّ الجيش اللبنانيّ عاجزٌ عن حماية البلاد. وهكذا، تمَّ القضمُ الأَمني، والذي تَرافَقَ بالقضم السياسيّ، حتى باتت هيمنةُ القضميّين شبه كاملة، فعادَ الى لبنان نظام الخلافة وعصر الإنحطاط.
إنّ القضمَ المتواتر أثبتَ أنّ الهدفَ الإستراتيجيّ منه، هو فرض استعمار جديد، قوامُهُ إنكارٌ للهويّة الوطنيّة، وتهميشٌ لشرعية الدولة، واستبدالٌ للنظام الديمقراطي بثيوقراطية راكدة، وما مجاهرة قياديّي هذا المشروع بولائهم لمرجعيّاتٍ وراءَ الحدود، سوى برهانٍ قاطع على أنّ ما يشيّعون من خُطَبٍ عن الوطنيّة، والحفاظ على لبنان سيّداً، ليس إلّا أقراصاً مُنَوِّمة. فالبروباغاندا التي يستخدمها القضميّيون لاستقطاب القلوب والعقول، باتت واضحة الخلفيّة، والنوايا، لذلك، لم يَعُدْ أمامَ السياديّين سوى التّضامن والإلتفاف على هذا المشروع الخطير، وبروحٍ جهاديّة، من أجل بقاء لبنان سيّداً، حرّاً، مستقلاً.
